حصريا

مركزية القيم الكبرى في دور المرأة التربوي داخل الأسرة-د. محمد إلياس المراكشي-المغرب-

0 999

مركزية القيم الكبرى في دور المرأة التربوي داخل الأسرة

د.محمد إلياس المراكشي

أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان – المغرب

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد: فقد أولى الإسلام الأسرة عناية بالغة وأحاطها باهتمام كبير يناسب مكانتها في المجتمع، إذ هي النواة العظمى واللبنة الأساس في بنائه، إذا صلحت ارتقى وتطور، وإذا فسدت انتشرت فيه الآفات وأحاطت به المفاسد من كل جانب.

كما خص الإسلام المرأة بعناية كبيرة وأناط بها مسؤوليات عديدة، وأتاح لها أن تسهم وتتفاعل مع حركية المجتمع من خلال مجالات عديدة، من بينها مجال التربية داخل الأسرة أو في المجتمع، بشروط وضوابط تصون عرضها وتحفظ كرامتها وتبرز مكانتها ومحورية دورها في التربية الإسلامية.

ولا يخفى أن الطفل منذ نشأته داخل الأسرة يقضي معظم أوقاته بين نساء الأسرة سواء كن من الأصول أو الفروع أو الحواشي، خصوصا في السنوات الأولى من عمره، وهي المرحلة الهامة في بناء شخصيته، فإن عُوّد الخير وعُلّمه نشأ عليه، وإن عود الشر أو أهمل شقي وهلك.

وإذا كانت الأسرة تضطلع بهذا الأثر الكبير على النشء، فينبغي أن تكون مؤسسة على التقوى، وقائمة على الألفة والمحبة والاحترام المتبادل بين الزوجين، حتى تمثل البيئة الطيبة الصالحة لإنبات سلالة طيبة تنشأ على الفضيلة وتنمو وتترعرع في جو الإيمان الصافي، وتشب في محيط فياح بحسن الخلق وكريم الخصال ونبيل الفعال[1].

إذ الإنسان هو محور كل تنمية وإصلاح، أو سبب كل تخلف وفساد، وإذا كان العامل الحاسم في الفصل بينهما هو التربية، فينبغي في جميع الأحوال أن تحكمها رؤية نموذجية مستشرفة للمستقبل، تستمد قوتها من نجاحات الماضي وإيجابيات الحاضر.

ولما كان تطور الزمان وتغير خصوصيات المكان، يفرض على كل أمة الاجتهاد في تجديد فكرها وثقافتها من أجل تصحيح رؤيتها إلى العالم، فإن من بين ما يحتاج إلى التجديد في عصرنا، تجديد النظر إلى دور الأسرة في البناء التربوي للمجتمع، وتقدير محورية دور المرأة في التربية، بالنظر إلى ما جبلت عليه في طبيعتها التربوية، وما تمتلكه من مخزون قيمي وأخلاقي، إضافة إلى ما يمكن أن تعزز به خبراتها ومهاراتها ومعارفها من خلال التكوين والتعليم والتربية، بهدف ترسيخ معاني الجهاد والاجتهاد في مخالفة أهواء النفس، وتمتين معاني التعايش في سلام ووئام مع مكونات المجتمع المختلفة، وتسخير طاقات الجميع لخدمة الوطن والأمة والإنسانية جمعاء.

وبمقدار صلاح المرأة علما وخلقا وسلوكا، يكون غالبا صلاح النشء، لأنها ذات أثر كبير في تكوين أخلاق الأطفال وطبائعهم وعاداتهم أكثر من الرجل، لقربها منهم في أغلب الأوقات التي قد ينشغل فيها الرجل بطلب الكسب والسعي وراء الرزق، لذلك كان من اللازم الاعتناء بتكوينها وتعليمها وحسن تربيتها لأجل تمكينها من استثمار ما وهبها الله تعالى من خصائص ومميزات، وتوظيفها في تربية النشء في ضوء القيم الإسلامية الفاضلة.

وإذا كان كل تجديد وتطوير للمجتمع ينطلق أساسا من البيت وتحديدا من التربية الأسرية، فإن أي حديث عن دور المرأة التربوي داخل الأسرة، لا يصح أن يتأسس إلا على القيم الكبرى للإسلام، باعتبارها منطلقات للفكر ومحددات للسلوك، وباعتبارها أيضا مقاصد وغايات ينبغي أن تسترشد بها التربية الإسلامية، لما لها من أثر بارز في صناعة الإنسان القاصد، وبناء الحضارة الراشدة، وهذا ما ستتم مدارسته في هذا البحث من خلال المباحث الآتية:

– المبحث الأول :محورية قيمة التوحيد في وظيفة المرأة التربوية

إن الإشكال الأعظم الذي يواجه المرأة في التربية الأسرية لا يكمن في غياب التربية على القيم، بل يكمن في نوعية القيم التي تريد الأسرة ترسيخها في نفوس ناشئتها وأفرادها، والتي ينبغي تحديدها بكل دقة ووضوح انطلاقا من المرجعية الفكرية أو الثقافية أو الدينية التي تؤطر الأسرة.

ويشكل الاعتناء بالجانب الديني والتربية الإيمانية أهم المداخل في المنهج التربوي الإسلامي، لذلك ينبغي أن تحرص المرأة على تأكيده داخل الأسرة، وأن تصرف جهدها في ترسيخه خلال عملها التربوي، ويقوم ذلك بالأساس على قيمة التوحيد عقيدة وفكرا.

ويقتضي مفهوم التوحيد الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته، وأنه الخالق المدبر الذي له الخلق والأمر، لذلك يؤكد عدد من علماء ومفكري الإسلام على أهمية بناء وترسيخ المفاهيم والقيم المنبثقة من صميم التوحيد، والتي تشكل محور عقائد الإسلام وتشريعاته، ومن أهمها:”السماحة، والحرية، والحق”، إذ هي تعبير عن الاعتدال والتوسط والمساواة والعدل، كما أن نقيضها من الغلو والتقصير والظلم والاستبداد.. إنما ينشأ عن انحراف في فطرة التوحيد[2].

وإذا كانت المرأة المسلمة واعية بمركزية قيمة التوحيد في مسؤوليتها التربوية والأسرية، فإن المتخرجين من مدرستها لاشك يتصفون بصفات الاعتدال والتوازن، والاعتزاز بالانتماء والممانعة،وهنا يأتي الدور البارز الذي تسهم به المرأة في البناء التربوي، باعتبارها صمام الأمان للأسرة المسلمة.

وتتجلى أهمية قيمة التوحيد في مجال التربية الأسرية بشكل واضح في جمع القلوب على غاية واحدة، ومن مقاصدها توحيد المرجعية التي تحتكم إليها الأسرة، وتوحيد الفكر الموجه لأفرادها، وتوحيد مجهودات الأفراد داخل الأسرة الواحدة سعيا نحو الصلاح أو الأصلح، ومن دون هذا التوحيد يصبح الأفراد داخل الأسرة، كأنهم بين جزر فكرية ومعرفية وتربوية متباعدة أو مختلفة، لا رابط بينهم سوى الاشتراك في بقعة مكانية محددة.

ولتفادي ذلك ينبغي أن تحرص المرأة على ربط جسور الوصل بين أفراد أسرتها وبين أصول الإيمان وأركان الإسلام وقواعد الإحسان،حتى ينشؤوا على مبادئ التقوى والخشية والإحساس بمراقبة الله، ومشاهدة فضله وإحسانه وبديع صنعه وحسن تدبيره، ومعرفة فضل سيدنا رسول الله e وآل بيته الأطهار ومحبة صحابته الأخيار، وبهذا تتحقق التربية الإيمانية.

– المبحث الثاني: مكانة قيمة التزكية في وظيفة المرأة التربوية

يعتبر الاعتناء بالجانب الخلقي والتربية الوجدانية من أهم المداخل التربوية التي يجب على المرأة الاعتناء بها وتأصيلها في نفوس النشء، انطلاقا من قيمة التزكية سلوكا ومنهجا.

إنتزكية النفس في الإسلام ليست مجرد رؤى معرفية أو أفكارا نظرية، بل هي ألوان من الجهاد والمجاهدة، جهاد ضد غواية الشيطان، ومجاهدة للنفس البشرية الأمارة بالسوء، الراغبة في شهوات الدنيا المحبة لملذاتها.

وليس تمة تزكية لا تنطلق من القرآن ولا تستهدي بنور سيدنا رسول الله e، لذلك ارتبطت تزكية النفس منذ القديم بمناهج التربية عند المسلمين، ومن مظاهرها الحرص على التوبة والإقلاع عن المعاصي، والإقبال على الآخرة بالعمل الصالح، والإعراض عن شهوات الدنيا بالزهد فيها وترك التشوف إليها، والانشغال عنها بذكر الله وعمارة الأوقات بالطاعات والتفكر والتدبر ومحاسبة النفس، وبذلك يتحقق معنى التخلي عن العلل والرذائل والآفات، ويحصل التحلي بأضدادها من الفضائل والمكرمات.

فأي أسرة فاضلة تلك التي تتصف المرأة فيها بهذه الصفات، فتتحلى بهذه الفضائل وتتخلى عن أضدادها من الرذائل؟وأي نشء ذاك الذي ينشأ في كنف من تأخذ بأيديهم برفق للترقي في مدارج التزكية، تنبههم إلى الرذائل وتحذرهم من الاتصاف بها، وتبين لهم الفضائل وتحثهم على الاتصاف بها قولا وعملا؟

ولعل من أبرز ما يساعد المرأة على الوفاء بهذه المسؤولية، الاطلاع على السيرة النبوية بأحداثها ومواقفها، حتى تجد بين يديها صورة للمثل الأعلى في السلوك البشري في كل مجالات الحياة، فتتمثلها وتقتدي بها، وتحث أبناءها وسائر أفراد أسرتها على التأسي بها، فلا رقي ولا ارتقاء للأسرة المسلمة، ولا تزكية للمجتمع والأمة، إلا بتزكية نفس الإنسان.

– المبحث الثالث :مركزية قيمة العمران في وظيفة المرأة التربوية

لا يخفى أن الكائن البشري اجتماعي بطبعه، يشكل رفقة بني جنسه لبنات البناء المجتمعي، وكلما كانت لديه قدرة على استيعاب خصوصيات مجتمعه وحاجاته، كان أقدر على الاندماج فيه والإسهام في رقيه وتقدمه، حسب ما يُربى عليه من قيم ومبادئ خلال عملية التنشئة الأسرية.

وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة لعموم الأفراد في المحيط الأسري والاجتماعي، فإن للمرأة فيه أفر الحظ والنصيب، لأنها تشكل نصف المجتمع ونصف الأسرة، وتسهم في تربية وتنشئة النصف الآخر،وكلما استرشدت المرأة بالقيم في التربية، سادت في المجتمع مبادئ سليمة وفضائل نبيلة، تمكن من نسج علاقات سوية، وبناء حياة آمنة رشيدة[3].

وهنا تأتي ضرورة اعتناء المرأة المسلمة في التربية الأسرية، بالجانب التواصلي والتنشئة الاجتماعية، التي تتجلى أبرز معالمها في تعليم النشء آداب الطعام والشراب، وآداب اللباس، وآداب النظر والاستئذان، وآداب التحية والسلام والكلام، مع الاعتناء بترسيخ مشاعر المحبة تجاه الآباء والأمهات والإخوة والأخوات وسائر الأقارب، تمهيدا لتنمية وسائل التواصل مع الغير وغرس محبة الخير للناس أجمعين؛ وينبع هذا الجانب بالأساس من قيمة العمران أفقا واستشرافا.

إذ تعنى قيمة العمران بوضع الأسس المتوازنة لفقه الحياة، وكما يتجلى فقه العمران في الجوانب المادية لحياة المجتمع، من أبنية وطرق وزراعة وصناعة..، يتجلى أيضا في الجوانب المعنوية[4]،من خلال التعايش والتعاون والتآزر والتراحم، في ظل استتباب الأمن وإقامة العدل وممارسة الشورى وغيرها.

فهي قيمة مرتبطة ارتباطا مباشرا بالحياة الاجتماعية، ولا حياة للناس إلا بحياة قلوبهم، لذلك يقول الله عز وجل: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[[5]، فقد كان النبي e في تربيته لأهله وللصحابة الكرام، يوجه إلى الارتباط بمنهجه أكثر من الارتباط بشخصه -وإن كان ذلك مطلوبا من باب المحبة والتعظيم والاقتداء- لأن من حكمة الله تعالى أن كتب الاستمرار للمناهج والأفكار دون الأشخاص، وكلما ارتبط الناس بالمنهج النبوي ووجهوا وجهتهم نحوه، تحرروا من الأنانية والفردانية والمصلحية التي يصنعها الذهول عن المنهج الرباني في عمارة الأرض.

وإذا استحضرت المرأة في عملها التربوي قيمة العمران، وغرست في نفوس النشءضرورة الإسهام والمشاركة في التفاعل الاجتماعي والحضاري،لإصلاح حال المجتمع والأمة، فإنها تؤهلهم بذلك إلى الانخراط الجاد والهادف في كل مبادرة فاضلة في سبيل الارتقاء بمختلف المجالات، لأن قيمة العمران تمثل حضورا وتحضرا، فهي حضور وفاعلية في مختلف ميادين العمل الإنساني، وانخراط في حركية المجتمع، وهي تحضر إذ تدعو إلى التعايش مع الغير في أفق المشترك الإنساني، في إطار شبكة من العلاقات الاجتماعية التي يطبعها التفاهم والتعاون والعمل المشترك[6].

لذلك كان سهر المرأة على تربية النشء داخل الأسرة، يقتضي مراعاة بعدين اثنين:

– الأول: يختص بإعداد الشخصية الإنسانية المتوازنة والمتكاملة، بصورة تمكن صاحبها من التفكير السليم والسلوك القويم لمواجهة حاجات الحياة ومتطلباتها المختلفة بحكمة ورشد في المجتمع الذي يعيش فيه.

– الثاني: يُعنى بغرس وترسيخ الهوية الإسلامية التي تمنح الفرد القدرة على التفاعل مع قضايا الأمة، والمحافظة على خصوصياتها المميزة، والمشاركة في بناء نهضتها الحضارية.

ولما كان المدخل المقاصدي من أبرز مداخل تقوية وترميم البناء التربوي للأسرة، لأنه المدخل الفطري الملائم لطبيعة الإنسان الذي جبل على السعي وراء مصلحته سواء كانت دنيوية أو أخروية أو تشملهما معا، فينبغي التنبيه في هذا الصدد إلى المقاصد التربوية التي ينبغي للمرأة استحضارها عند كل فعل تربوي تجاه الناشئة وهي كثيرة ومتعددة، منها مقصد حب الوطن والانتماء الجغرافي، ومقصد الافتخار بالانتماء العرقي والرصيد التاريخي، ومقصد الاعتزاز بالمقومات الحضارية والانفتاح على البعد الكوني للمشترك الإنساني، من خلال التعارف والتعايش مع الشعوب الأخرى في ظل الإنصاف والعدل والمساواة في الكرامة الإنسانية.

إن في توجيه سيدنا رسول الله e للزواجات إلىاختيار الزوج الصالح، وحثه للأزواج على انتقاء ذات الدين، دليل قاطع على مدى اهتمام الإسلام برسم المنهج السليم للأسرة المسلمة التي تقوم على تعاليم الإسلام علما وعملا، توحيدا وتزكية وعمرانا، فعن ثوبان tقال: «لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ، قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ. فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ eوَأَنَا فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: “‌لِيَتَّخِذْ ‌أَحَدُكُمْ ‌قَلْبًا ‌شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ”»[7].

وهكذا يتأكد أن المستقبل الحضاري للأمة الإسلامية رهين بالنجاح في إعداد المرأة الإعداد السليم لتربية النشء وبناء شخصيتهم بناء سليما متوازنا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعاليم الوحي المستقاة من كتاب الله تعالى ومن سيرة خير خلقهe، مع الاعتناء أشد ما يكون بتعليمها وتكوينها والارتقاء بثقافتها ومهاراتها التربوية.

ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله e قال: «مَنْ وُلدَتْ لَهُ ابْنَةٌ ‌فَلَمْ ‌يَئِدهَا، ولم يُهِنْها، ولم يؤِثرْ وَلَدَهُ-يعني الذَّكَر-عليها، أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الجَنّة»[8]، فأي إهانة أعظم وأي إيثار أكبر من الاعتناء بتعليم الذكر وترك تعليم الأنثى؟ لذلك وجب التسوية بينهما في هذا الحق، خصوصا والإسلام قد ساوى بينهما في أصل الخلقة والقيمة الإنسانية، وفي التكاليف والجزاءات أيضا.

هكذا ينبغي تعزيز الشعور لدى المرأة بمحورية دورها التربويحتى تعرف أنها مسؤولة عن جزء كبير من مستقبل أبنائها وبناتها وسائر أفراد أسرتها، بل ومستقبل المجتمع والأمة جمعاء، فتسعى إلى زيادة خبرتها التربوية خصوصا إذا كانت متخصصة -أو ترغب في التخصص- في مجالات أخرى بعيدة عن مجال التربية، من خلال قراءة ومطالعة الكتب والمقالات التربوية، لتعزيز ثقافتها المتعلقة بالتربية الأسرية.

ومن المناسب أن نختم حديثنا عن المرأة المربية، بنموذج مشرق من الصحابيات المربيات، وهي أم سليم بنت ملحان الأنصارية، واسمها الغميصاء أم أنس بن مالك التي بشرها رسول الله e بالجنة[9]، ونتوقف مع مواقف من سيرتها وتربيتها، فهي التي علّمت ابنها أنسt شهادة الإسلام وغرست فيه عقيدة التوحيد منذ نشأته، وبمجرد ما بلغ عشر سنين وقدم رسول الله e المدينة، اختارت لابنها أعظم معلم وأفضل مربي، فسارعت في إدخاله مدرسة النبوة حرصا منها على انطباع نفسه بخلق أعظم الخلق e.

ثم لا زالت تتعاهده بين الفينة والأخرى بمزيد من النصح والإرشاد، يقول أنس t: «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ e، وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، ‌فَأَبْطَأْتُ ‌عَلَى ‌أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ eلِحَاجَةٍ، قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ، قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ eأَحَدًا»[10]، فأي توجيه أرقى من هذا، وأي تربية أنفع من هذه، هكذا هي المرأة الصالحة والأم الناصحة.

خـــــــاتمــــــــــــــــة

لقد تبينت من خلال ما تقدم مدى حاجة الأمة الإسلامية إلى إحياء منظومة القيم الكبرى في التربية الأسرية، خصوصا في المجهودات التربوية التي تسهر عليها المرأة مشكورة مأجورة، تلك المنظومة المتكاملةالمتمثلة في “التوحيد والتزكية والعمران”، والتي تعتبر مصدرا لسائر القيم الرئيسة والفرعية في التربية الأسرية والاجتماعية، حتى تتمكن الأسر من معالجة الخلل الذي تسرب إليها فكرا وعقيدة وأخلاقا وسلوكا، مما أدى إلى انحسار حضارة أمة بأسرها.

ولا يخفى أن الأمة الإسلامية تمتلك من مقومات النهضة وعوامل الرقي الحضاري، ما يمكنها من أن تقود العالم إلى بحر التعايش والتكافل والتراحم، وأساس ذلك ومنطلقه النواة الأساس للمجتمع متمثلة في الأسرةالتي ينبغي أن تتحقق في رحابها معالم الأمن الروحي والسلامة النفسية، التي لا تضمنها إلا قيمة التوحيد عقيدة وفكرا، وقيمة التزكية سلوكا ومنهجا، وقيمة العمران أفقا واستشرافا للرقي بالفكر والحضارة الإسلامية، وهذا ما يمكن أن تسهم المرأة المسلمة المربية في ترسيخه بأوفر الحظ والنصيب.

وختاما نسأل الله تعالى بما ذكره في كتابه المجيد، على لسان عباده المخلصين فنقول: ]رَبَّنَا ‌هَبۡ ‌لَنَا ‌مِنۡاَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُن وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا[[11]، صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين.

 

[1]– مسكي سميرة جميل، دور المرأة المسلمة في توجيه الأبناء، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1426ه/2005م، ص145.

[2]– ابن عاشور محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس 2001م، ص114.

[3]– بنكيران، الأسرة وبناء الإنسان، دار الأمان، الرباط، ط 1، 2020م ص64.

[4]– ملكاوي فتحي حسن، منظومة القيم العليا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط1، 2013م، ص127.

[5]– سورة الأنفال، الآية:24.

[6]– ملكاوي فتحي حسن، التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري المنشود، تأليف جماعي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط 1، 1442ه/2021م، ص172 و169.

[7]– القزويني محمد بن يزيد بن ماجة، سنن ابن ماجه،تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، محمَّد كامل قره بللي، عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، ط1، 1430هـ/2009م، ج3 ص61، ح 1856، قال المحققون: حسن لغيره.

[8]– ابن حنبل أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الحديث القاهرة، ط1، 1416هـ/1995م، ج2 ص463، ح 1957، قال المحقق: إسناده صحيح.

[9]– القشيري مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم،تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، صورته دار إحياء التراث العربي ببيروت، 1374هـ/ 1955م، ج4 ص1908، ح2456.

[10]– المرجع السابق ج4 ص1929، ح2482.

[11]– سورةالفرقان، الآية:74.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page