حصريا

حين تنتكس الفطرة-د. فتيحة محمد بوشعالة-الجزائر-

0 527

حين تنتكس الفطرة

حين يتخنث شبابنا وتسترجل نساؤنا، فذلك مؤشر على انتكاس الفطرة وانقلاب موازينها. فما هي الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة في مجتمعاتنا؟ وما السبيل إلى علاجها؟

حينما نقول شبابنا ليس المقصود كل الشباب، فذلك تعميم ينافي الحقيقة والواقع، وإنما نقصد الظاهرة المتفشية للأسف والتي مست شريحة عريضة من المجتمعات المسلمة.

فقد شبابنا كثيرا من مظاهر الرجولة، لعدة أسباب:

×تخنثوا لأنهم بدأوا ينسحبون من منطقة الرجولة شيئا فشيئا.

قديما كان الرجل يقوم بكل الأعباء المنوطة به ككائن يتمتع بقوة نفسية عقلية وبدنية تؤهله لذلك، من كدح وسعي لإعالة عائلته، ويشارك في مهام العشيرة أو القبيلة أو الدشرةأو الدوار أو المجتمع، سمها ما شئت فهي عزوة الرجل وظهيره الذي يحتمي به، كما كان يشارك في الحروب والقتال لحماية أرضه وعرضه وقومه.

وكان في وقت فراغه، يقوم ببعض المهام المنزلية المنوطة به، فيصلح فاسدا، ويرقع قديما، ويرمم باليا، وهكذا…

ثم بدأ ينسحب شيئا فشيئا من تلك المهام.

فبانتهاء الحروب والقتال والجهاد خملت فيه بعض معالم الرجولة القوية، حيث صار يعيش في رخاء ودعة.

ثم تراجع مفهوم وهيمنة العشيرة والدشرة والحومة والجماعة والعائلة الممتدة نتيجة عوامل عديدة، فتحرر الرجل أكثر من مسؤوليات وأعباء أخرى، حيث صار يعيش لتحمل مسؤولية أسرته النووية فحسب، وحين تتقلص المهام تفتر الهمة وتضمر المهارات والطاقات ومعها العضلات ( زمان كان كمال الاجسام بالفأس والمنجل والصخر والحطب، والمحراث والبندقية).

ثم صار يعيش في مجتمع لا يشعر بالانتماء إليه نتيجة عوامل عديدة، مخلفات استعمارية، سياسة الاشتراكية التي كبلت الأيدي وعطلت الطاقات، سلطة جائرة، فاشلة، عاجزة عن توفير ضروريات الحياة له، فتخلى عن كل أعبائه تجاه هذا المجتمع ومن خلاله الوطن والأمة.

ولضعف الوازع الديني تخلى حتى عن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح، وذلك مؤشر على موت الضمير، حتى كاد يعيش بلا هدف، ما عدا توفير القوت لعدد قليل من الأفراد.

عامل آخر جعل رجولته تتراجع وتنحسر، هو مؤثرات العولمة في ظل غياب التمسك بدينه، العولمة التي تغوّل فيها الأنا، وسادت الأنانية، تلك التي تدعو الى المتعة والاستمتاع بالحياة مستعملة التكنولوجيا والإعلام ووسائط التواصل للترويج لفكرتها. صار هذا الشاب ينظر لنفسه على أنه مطحون مقهور، وأنه من حقه كباقي شباب العالم التمتع بشبابه، مأكلا وملبسا ومظهرا واقتناء وسفرا، فتعلق عقله وقلبه بقشور الحضارة الغربية وغفل عن كيفية بناء تلك الحضارة، وأنّ ما وصلت إليه هو بعد كد وعمل واجتهاد.

فصار ينافس الفتيات في قصة الشعر ونقاء الوجه، وضيق السروال، واقتناء الحلي، وهنا يصدق المثل الشعبي القائل ( الرجليعيبوجيبو) ولم يقصد أجدادنا إغفال الأخلاق والقيم، فهي معلومة عندهم من الدين بالضرورة، وإنما يقولون ذلك في مقابل الفتاة التي يبحث فيها عن الجمال وعن الكفاءة المنزلية، في حين الرجل لا ينظر الى شكله وجماله إذا تقدم لخطبة فتاة، بل إلى ماله، وما في جيبه كتعبير عن قدرته على تحمل المسؤولية، ولا يقصدون غناه.

من العوامل أيضا تأخر سن الزواج، حيث الزواج مظنة تحمل المسؤولية، واكتمال الرجولة، فحين صار الزواج يتأخر عند الشاب حتى يتجاوز الثلاثين، جعله يبقى في غالب الأحوال عالة على والديه، فيجد نفسه خاملا متكلا على غيره في معيشته، خاصة إذا كان العائل الوالدة، فهذا ساهم في انخفاض مؤشر رجولته.

وقاصمة الظهر وخاتمة الخاتمات التي هزمت رجولته، خروج المرأة للعمل نيابة عنه (ولست ضد عمل المرأة) فصار يعتمد عليها في إعانته على أعباء الأسرة، وفي حالات صارت هي من تعيله.

فسقطت معالم الرجولة فيه، ولم تبق إلا الذكورة، للأسف.

فأدرك نفسك أيها الجيل، قبل فوات الأوان، عد الى دينك، وإلى مفهوم القوامة الصحيح، وإلى حمل هموم العشيرة والدوار والحومة و الوطن والأمة…. بهذه تسترجع رجولتك المسلوبة.

ومن نتائج تراجع رجولة الرجل، استرجال المرأة.

فلماذا استرجلت نساؤنا؟؟؟

والحقيقة هذه المصيبة التي ألمت بمجتمعنا لا تقل سوءا عن سابقتها، إن لم تكن ألعن، ذلك لأنّ المرأة هي أساس صلاح المجتمع، وركيزة صلاح الأسرة.

فما هي أسباب وتداعيات تفشي هذه الظاهرة التي أخرجت المرأة عن فطرتها، وأخلّت بسلامة الأسرة،ومن بعدها المجتمع؟

في الحقيقة العوامل عديدة ومتداخلة، تتجاذبها جوانب مختلفة، شرعية، نفسية، اجتماعية، فكرية، ثقافية، وحتى سياسية:

أرى أنّ أهم عامل هو البعد عن شرع الله عز وجل، فالمرأة التي لا تتربى على طاعة الله والتزام تعاليم الإسلام، تطيش بها الأفكار والتيارات المختلفة، وتنحرف بها يمينا ويسارا، لأنها فقدت البوصلة، فأينما جرفتها تلك الأفكار ذهبت، وكل سبيل عدا سبيل الله تعالى، هي سبيل الشيطان لا محالة، (وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طِیمُسۡتَقِیمࣰافَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡوَصَّىٰكُمبِهِۦلَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ).

العامل الثاني الذي يدع بناتنا تتخلى عن حيائها وتسلك سبيل الاسترجال، فتقلد الرجل في لبسه وصوته وتصرفاته، وتحاكيه في رفع الصوت، والاختلاط بالرجال دون حرج، والازدحام في الاسواق وتزاحمه في كل الأماكن العامة، هو التنشئة الخاطئة.

ومسؤولية التنشئة ترجع للوالدين، وبدرجة أكبر الأم، فالأم التي تشجع بنتها منذ الصغر على محاكاة الذكر في لبسه وطريقة كلامه، فتشتري لها السراويل الضيقة، وتسمح لها بكل قصات الشعر، ولبس احذية الذكور، وتتركها تجالس ذكور العائلة وتبسط معهم كل البسط، ولا تلقي لذلك بالا، بحجة أنها صغيرة، كل ذلك يفتح الباب للبنت على استسهال ذلك والتعود عليه، فتذهب الهيبة بين الجنسين، ويسقط رداء الحياء والحشمة عند البنت، فإذا أرادت صدها عنه حين تكبر لا تستطيع.

وفي مقابل التساهل المفرط يكون التشدد المفرط ايضا سببا في استرجال البنت، فالأب المتسلط العنيف، والام المتشددة في معاملة ابنتها بمنعها من كل شيء، خوفا عليها، او لقلة ثقتها فيها، تضيق الخناق كثيرا حتى تدفعها اما الى الانكماش والانزواء، او الى التمرد، وتكون الى التمرد أقرب، نظرا لكثرة المغريات الخارجية، فتتفلت البنت وتسترجل كردة فعل انتقامية على قهر الأنثى، ويحضرني هنا، حكمة أجدادنا في امثالهم الشعبية التي يصدرونها عن تجربة، فيقولون في هكذا موضع ( البنت مثل العجينة في يدك، إذا أرخيت يدك، ظلت العجينة داخلها، واذا ضغطت عليها، خرجت من بين اصابعك) وهذه حكمة ترشدنا الى ضرورة الوسطية في التربية، الرفق مع الحزم.

عامل ثالث، وهو كارثة الاختلاط بين الجنسين في مختلف مراحل التعليم، حيث كثرة الاحتكاك، يولد سقوط حاجز الهيبة ببن الجنسين، فيفقد الذكر من رجولته وتفقد الانثى حياءها وحشمتها. وذلك بكثرة الحديث بينهما، وتبادل الضحكات والاسترسال في الحكايات، خاصة في مرحلة المراهقة، فتقدم البنت على تقليد الولد في طريقة كلامه، ولبسه، ومشيه، وطبيعة تصرفاته، ومجال حديثه، وتشاركه كل اهتماماته، مثل الشغف بكرة القدم، وأفلام الأكشن، والألعاب الالكترونية العنيفة، وغيرها من مجالات اهتمام الذكور، فتسترجل البنت دون أن تدري، فتصير تقلده حتى في الكلام الفاحش الذي تظن أنه من تمام الرجولة، وقد يتعدى الأمر إلى التدخين أو المخدرات والعياذ بالله.

فعلى سبيل المثال،نحن الجيل الذي درس منذ الابتدائي في مدارس تفصل بين الجنسين، نشأنا على الحشمة والحياء من الرجال، ولا نعرف عن عالمهم شيئا، ولم نختلط بهم إلا في الجامعة، وجدنا أنفسنا نستحي من مجتمع الرجال، نتحاشاهم قدر الامكان، لا نحدثهم إلا لضرورة وعلى استحياء، ونتلعثم حين نكلمهم حياء لا عجزا.

عامل آخر لاسترجال النساء، هو تخنث الشباب وتراجع الرجولة عندهم، فلو لم تنقص الرجولة في شبابنا لما ترجلت النساء، لو كان الأب والأخ والزوج يتمتع بكامل رجولته، لما تجرأت الأنثى على الاسترجال، وحين وجدت ضعفا وخنوعا ولا مبالاة استقوت وتعاظمت نفسها وظنت أنها بإمكانها منافسته في رجولته، خاصة مع ظاهرة استقلاليتها المادية والمعنوية، وحريتها المزعومة، ولو فهمت المسكينة معنى (المرأة الحرة) حقيقة لما فعلت ما فعلت….فالحرة في مصطلح الشرع والعرف هي العفيفة الشريفة، الطاهرة المصونة، وتقابلها الأمة والجارية، وهي المملوكة.

عامل آخر، ألا وهو التأثر بالمدنية الغربية والشرقية، بل قل العولمة (العولبة) حيث صار للمرأة نموذج واحد في العالم بكامله، زي واحد ، قصة شعر واحدة، اهتمامات واحدة، طموح واحد…والأدهى أنّ العالم يسير نحو جنس واحد، لا ذكر ولا أنثى (فكرة الأنمي، والشذوذ).

ومن أخطر العوامل، الإعلام الهدام لكل القيم، حيث يقدم نموذجا للمرأة الناجحة، هي تلك التي تقص شعرها مثل الرجل، وتلبس السروال مثله، وتجلس إلى جنبه منافسة له، وتشاركه المنصب نفسه، وتدخن مثله، وترفع صوتها عليه، إلى غير ذلك من الصور النمطية المجسدة في الأفلام والمسلسلات، والرسوم، والأشرطة، فيصورها الإعلام الشرطية التي تستعمل السلاح بتفوق على المجرمين الرجال، ويصورها المحاربة الفولاذية، ويصورها بشتى الصور التي تجعل منها أقوى من الرجال، مما يؤثر سلبا على بناتنا، التي يستهويها تقليد كل ذلك.

عامل آخر، وهو ينتشر بين الطبقة المثقفة على الخصوص، وهو ركوب موجة الحداثة الحبلى بأفكار النسوية والجندر والتمرد على كل القيم طلبا للجديد، وما إلى ذلك من أفكار دخيلة، دفعت ببناتنا إلى خلع برقع الحشمة والحياء ومنافسة الرجال في رجولتهم، ونبذ كل ما يحثهن على التمسك بفطرتهن، من دين وعرف وقيم، في انسلاخ تام، من كل ما يربطهن بعالم الأنوثة، جريا وراء سراب التحرر والاستقلالية.

ومما زاد الطين بلة، تلك الدعاوى المغرضة التي تمارسها مدرسة التنمية البشرية، من دغدغة للعواطف ولعب على مشاعر الأنوثة بالانتفاضة على الاضطهاد والقهر والظلم المسلط على المرأة المسكينة، وأنها من حقها الالتفات لنفسها والاهتمام بحالها، فهي أولا ثم يأتي الجميع بعدها، بحجة أنها المطحونة تحت وطأة الأمومة والزوجية، فدفعوها بذلك، إلى التخلي عن فطرة الأمومة والتضحية، وإلى التمرد على القوامة، والتحرر من كل مسؤولية، وتغول الأنا الأنثوي عندها.

وأخيرا، أرى من أهم العوامل لاسترجال المرأة.

الظلم الممارس على النساء في المجتمعات العربية عموما، فالمجتمعات العربية للأسف مجتمعات ذكورية بامتياز، تبخس النساء حقهن، وتجعلهن مواطنات درجة ثانية، وتتجاهل قدراتهن وكفاءتهن العلمية والعقلية الفاعلة في المجتمع، مجتمع ذكوري على مستوى تفكيره وسلوكه الفردي والجماعي، بعيدا عن ممارسات السلطة وقوانينها، حيث يرى الرجل الجزائري أن زوجته أو أخته دونه، وأنه مهما علا قدرها تبقى قاصرةفي عقله الباطن، لا يثق في علمها، في قدراتها العقلية، في مهاراتها. ولم يقتصر الأمر على الرجل فقط، بل تجاوزه إلى الأسرة رجالا ونساء، حيث نجد الأسرة دوما تبجل الذكر وتؤخر الأنثى، أفضل الطعام للذكور، أفضل الغرف للذكور، أفضل الفرش للذكور. حتى بلغ بهم الأمر إلى حرمان الأنثى من ميراثها في كثير من العائلات، وتوصف بأبشع الأوصاف إذا طالبت بحقها فيه.

كل هذه المظاهر دفعت بالنساء للانتفاض ضد الظلم والتسلط الذكوري الواقع عليهن، فلما وجدت فرصة التعليم والعمل ظنت أنها استقوت عليه فنافسته في ساحته، ساحة الرجولة، لتبرهن له أنها لها نفس قدراته، وهذا خطأ فادح، لأنها تجاوزت فطرتها، وتجاوزت الشرع وكذا العرف، وهي الخاسرة في الأخير.

لأن دفع ظلم المجتمع الذكوري، لا يكون بالتمرد على القيم، بل يكون بالثبات عليها والتسلح بالعلم الشرعي الذي يفضح كل ممارسة خاطئة تخالفه، وإقامة الحجة على من يسوق ذلك باسم الدين.

أنت قوية أيتها الفتاة، بحجابك، بحيائك، بأخلاقك، بعلمك، بمهارتك، بكفاءتك، بالتزام تعاليم دينك، بما تقدمينه للأمة: من تربية جيل صالح، من علم نافع، من فكر نيّر يفيد المجتمع، من مؤازرة لأخيك الرجل، فأنتما تكامل لا تضاد، كل في مجاله، وموقعه، بعضكم من بعض (فَٱسۡتَجَابَلَهُمۡرَبُّهُمۡأَنِّیلَاۤأُضِیعُ عَمَلَ عَـٰمِلࣲ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡأُنثَىٰۖبَعۡضُكُممِّنۢبَعۡضࣲۖ ).

 

بقلم الدكتورة فتيحة محمد بوشعالة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page