في صحبة أسرة ابن العربي: قصص وعبر
تعتبر الأسرة النواة الأولى التي نتج عنها هذا العدد الهائل من البشرية، ومن ثم فإن أهميتها تكمن في كونها المنبع الذي يجعل نهر البشرية مستمرا، ويمنع هذا الجنس البشري من الانقراض، فلولا هذه الخلية لما استمر الإنسان آلاف السنين على هذه الأرض يعمرها ويؤدي مهمة الاستخلاف التي كلف بها، لذا نجد أن الإسلام اعتنى بها عناية خاصة،وقد فهم سلفنا الصالح مقصد هذه العناية، ففي سيرتهم الأسوة الصالحة لنا من أجل بناء أسرة متماسكة.
ومن بين الأعلام الذين تركوا بصمة في تراثنا، نجد الإمام أبا بكر بن العربي المعافري (ت543ه)، الذي ترك لنا عشرات الكتب في مختلف العلوم، وفي ثنايا مؤلفاته نعثر على مواضع كثيرة اهتمت بالجانب الأسري وبالفكر التربوي، وعالجت القيم التي ينبغي توفرها في أفراد الأسرة، وذلك من خلال بناء المسلم، فقد أورد قصصا وحكايات وقعت له بصحبة والده، تبين علاقته الأسرية، وقد رأيت أن أورد بعض هذه القصص وأستخلص منها الدروس والعبر.
فمما تعلمته من أسرة أبي بكر ابن العربي (ت 543ه)، من خلال قصة:
- مواساة ابن العربي لصاحبه[1]
قال الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله رضي الله عنه: كنت مع أبي بمدينة السلام، فخرجت عنا النفقة في بعض الأيام، فقال لي: خذ هذه الثلاثة الأرباع الدينار، ادفعها إلى الخباز، وأجر الصرف منها، حتى يأتينا من رزق الله ما وعدَناه، إذ التجارة عندهم بالخبز، فخرجت بها فلقيني في الطريق من أخبرني أن صاحبنا أبا المعالي الميّافارِقي وجِع، فقلت: أعوده في طريقي، فدخلت عليه فألفيته مضطجعا على نطع، تحت رأسه حجر، وهو في نهاية من الضعف، وثيابه التي يختلف بها إلى المجلس موضوعة في طاق، فسألته عن حالته، فكشف لي عورة من الفقر والألم ما سمعت من أحد بأعظم منها، فقلت: لا أطلب أثرا بعد عين، فخرجت إلى الطبيب، وأعلمته بحاله وضعفه، فذكر دواء وغذاء، وابتعت له فرّوجا، وجئته بالدواء فاستعمله، ثم جئته بالفرّوج وتكلفته له، وتناول منه، ودفعت إليه بقية الذهب، وجئت إلى داري بغير شيء، وأزمعت على إعلام أبي بالحال، وقلت: عندنا كتب وثياب، وننتظر خيرا، ورأيت رجلا لا ملجأ له، وتعيَّن علي فرضُه، فلم يكن بدٌّ من أدائه، فلما جئت باب داري إذا عليه أبو القاسم بن أبي حامد بن عمر، فتى من أبناء البلد، ومن أصحاب الخليفة، كان يقرأ معي، وكان مخلصا لي، فسلّمت عليه ورحبت به، وقلت له: ما جاء بك وهذا افتراقنا في المجلس؟ فقال: أردت تجديد العهد بك، فدخلنا وجلس في العرص معي، حيث كانت كتبي ومجلسي، وكان أبي بكتبه في الإيواء، وتحدثنا مليا، ثم تذاكرنا مسائل، وتوادعنا للاجتماع عشية على ما جرى من العلم، ثم قام فشيّعته إلى باب الدار، ثم عدت إلى موضعي، وخلعت ثيابي لأمشي إلى أبي وأُعْلِمُه بما جرى، وجمعت الكتب التي كنا فرّقناها للنظر في الأحاديث التي تذاكرناها، فإذا بجزء منها مضطرب الهيئة، ففتحته، فإذا فيه صُرّة مشدودة، فحللتها فإذا فيها ثلاثون دينارا، فقبضت عليها وجئت أبي، فقال لي: أبطأت، ومضى النهار وفات النظر، فقلت: إنما أبطأت عليك لأنه كان يوم تجارة، قال لي: وكيف؟ قلت: أخذت الثلاثة الأرباع الدينار وتجرت بها إلى الآن، فلما خلَصَتْ إليّ ثلاثين جئتك بها، ورميت بالدنانير بين يديه، فلما رآها خجِل، قال: بالله، قل الأمر على وجهه، فبقَرْتُ له الحديث، فعجب منه، وحمِد الله عليه.
فهذه كلها وجوه من الكرم، أولَها المواساة، وآخرها الإيثار، وأولها إعطاء المحبة، وآخرها إعطاء المال، بل إعطاء النفس:
فالجود بالنفس أقصى غاية الجود.
وأما أنا فما أعطيت تلك الثلاثة الأرباع الدينار لصاحبي من كرم، إنما رأيت رجلا غريبا فقيرا تالفا، فتوهّمت حاله، وتوقعت أن يكون مآلي مآله، فبادرت بذلك الذي فعلت شفقة لا تكرُّما.
فهذه القصة تبين لنا ما حظي به ابن العربي من حب ورعاية بوجود والده في حياته، فكان نعم الصاحب والرفيق لدرب حياته، حيث أولاه العناية الكبيرة، وحرص على تربيته التربية الصالحة، فما فارقه إلا حين انتهى أجله، ومما علمه نجد:
- تعليمه التجارة: فمما نستفيد منه في بداية هذه القصة أن أسرة ابن العربي كانت أسرة غنية، ورغم أن سقوط ممالك الطوائف أثر على ثروة هذه الأسرة، إلا أنها ظلت تُكَّرّم في مختلف المدن والدول التي زارتها، فكانت تخصص لها العطايا والهدايا، حتى تعينها على أداء أهداف رحلتها السياسية والعلمية.
ولكن على ما يبدو من هذه القصة أن هذه الأسرة لم تكن تطلب العون من أحد، بل كان في الغالب يأتيها رزقها إكراما لمكانتها، فلما نقص لها بعض المال، دعا والد فقيهنا ابنه إلى التجارة، فرغم أننا نعلم أن الشاب كان يقضي جل وقته في طلب العلم، إلا أن تعليمه الاعتماد على النفس والتجارة لم يكن بمنأى عن أساسيات التربية.
فالمال هو عبارة عن وسيلة معِينة على بلوغ مقاصد الإنسان في حياته، لذا كان يحرص سلفنا الصالح على تعليم أبنائهم طرق الحصول على المال الحلال، ولو تأملنا وضعنا في هذا الزمان لرأينا حجم الاتكالية التي نعلمها أبناءنا، لدرجة أننا صرنا نوفر لهم كل ما يطلبونه، فإذا تعب الأب يوما وطلب من ابنه أمرا، احتج بأنه منهمك في الدراسة، ولا ندري هل الساعات التي يقضيها أولادنا في غرفهم مخصصة للدراسة، أم أن جلها يضيع في مشاهدة وسائل التواصل الاجتماعي!!!.
- عيادة المريض: ما إن سمع أبو بكر بمرض صاحبه حتى أسرع لزيارته ولم يتباطأ، وإذا علمنا أنه كان ذاهبا للتجارة، فإنه يتضح أن والده قد نجح في غرس قيم المحبة والإحساس بالآخرين في قلبه، إذ أنه جعل عيادة المريض أولى من التجارة، بل أكثر من هذا عمل على مساعدته وتجهيز الأكل له، وعلى ما يبدو أن شيخنا لم يعلم ابنه طلب العلم والتجارة فقط، بل علمه طهي الطعام، فإحضار فروج وتجهيزه يؤكد لنا أنه كان خبيرا بكيفية تهييئ الأكل، ولعلنا نتساءل اليوم هل نربي أبناءنا على عيادة المريض؟ هل نصطحبهم معنا عند زيارة بعض المرضى؟ بل إني أخشى أننا بعد هذه الجائحة التي عانينا منها، أن تصبح سنة زيارة المريض من السنن المنسية، فقد أصبح الخوف يملأ قلوب الكثير، بسببانتشار الأمراض.
بالإضافة إلى قضية تعليم أبناءنا بعض أساسيات الطبخ، فإني أرى أن الأكل الجاهز، وعدم مساعدة الأبناء لأسرهم في المطبخ من الأمور التي جعلتنا نرى شبابا لا يعرف كيف يجهزشيئا ولو كوب شاي.
- الإشفاق على الغير: تبدو لنا شخصية ابن العربي شخصية تحمل من الرقة والعطف الشيء الكثير، فرغم أنه اشتكى يوما لشيخه الطرطوشي قسوة قلبه، غير أن معاملته لصاحبه تُظهر لنا إحساسا مرهفا، وتكشف لنا عن معدن هذا الشاب الأصيل، وأنه ينبغي على الأسرة أن تعلم أبناءها الإحساسبالشفقة تجاه الضعفاء والمحتاجين، فما أقسى قلوب أبناء هذا الجيل، حيث يقضون معظم أوقاتهم في العالم الافتراضي الذي يجعل من العنف والقسوة الشعار الأساسي للقوة والبقاء.
- الرضى والقناعة: ويتجلى هذا الخلق من خلال قول ابن العربي ( عندنا كتب وثياب)، وكأنه عمل على مقارنة حال أسرته بحال صاحبه، فعدد النعم التي أكرمه الله بها، فالتفكر في نعم الله التي تحيط بنا من أحسن الأشياء التي تجعل الإنسان يرتاح في حياته، كما أن المقارنة بين الشخص ومن هو أقل منه لَيَجْعل إيمان العبد يكبر، عكس إذا قارن الواحد منا ما عنده بما يملكه غيره من الأغنياء، فإنه قد يضيق صدره فيعيش في غم ونكد لا ينقطع، فلنحرص على تعليم أبنائنا نعمة القناعة في كل أحوالنا، خاصة في عصرنا المادي هذا.
- الثقة بالله: وتظهر من خلال قول الوالد (حتى يأتينا من رزق الله ما وعدَناه)وقول الابن ( ننتظر خيرا)، فهما على ثقة تامة أن رزقهما سيأتيهما ولن يخطئ طريقهما، والثقة بالله من أعظم أبواب السعادة في الدنيا، إذ الإنسان بعد حرصه على أداء أسباب جلب الرزق، عليه أن يثق بالله ثقة مطلقة أنه خلقه ويسر له رزقه في كل الأحوال، ولن يموت حتى يستوفي رزقه كاملا.
- الاعتبار من الماضي: لقد بين فقيهنا سبب شفقته على صاحبه،حيث تخيل نفسه أن يصير مثله، ولعل هذا الشعور ناتج عن تجربته الشخصية، فقد كان والده وزيرا لدى المعتمد بن عباد، وكان يعيش في قصر كبير، فتغير حالهم وذهب ملكهم، فأدركت أسرة ابن العربي أن الغنى والفقر بيد الرحمن، فاستطاعوا التأقلم مع وضعهم كيفما كان، فحمدوا الله في السراء والضراء معا.
والإنسان عليه أن يتعظ من تقلب الزمن ومن دوران الحال، فكم من غني أصبح فقيرا، وكم من صحيح أضحى عليلا، فليتشبث الواحد منا بالغني الذي لا يفتقر، وليلجأ للكريم الذي لا يبخل فيرضى بما أعطاه، ولو أدركنا أن الحياة عبارة عن محطات ابتلاء، لما وجدنا الازدحام على أبواب عيادات الطب النفسي، ولما وجدنا مرضى الاكتئاب والخوف من المستقبل، فنسأله تعالى أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا، فنعمرها ونخرب آخرتنا.
- مساعدة المحتاج فرض: كان أبو بكر وهو يفكر في ما سيقول لوالده، يجعل من مساعدة المحتاج فرضا وجب أداؤه، وليس أمرا اختياريا، ولاشك أن هذا ناتج عن التربية العلمية التي تلقاها، فهو يجعل من هذه المساعدة أمرا، حيث يقول ” لا يحل للأغنياء أن يهملوا الفقراء، بل يغنوهم مما في أيديهم، ألا ترى أنه لو سُرِق مال رجل أو غصِب لتعيَّن على الناس إغناؤه”[2].
- المحبة: إن التربية التي تحاط بالحب، فتكون المحبة هي روحها، لاشك أنها تثمر علاقات اجتماعية متينة، حيث يفوح عطر هذه المحبة على جميع من يلامس أفراد هذه الأسرة، فقد أعطى الأب لابنه كل معاني الحب وجعله يشعر بدفئ حنانه، فما كان من الابن إلا أن يكون مثل والده، فما عرفه أحد إلا أحبه وهذا يتجلى من خلال علاقاته بشيوخه وتلامذته، فقد قربه الشيخ الطرطوشي في فلسطين ومصر، كما خصه الإمام الغزالي بكثير من العناية والاهتمام، وكذلك تبدو علاقته مع صاحبيه الغني والفقير.
وما أحوجنا لنشر المحبة بين أفراد أسرنا لينتشر الحب بين مختلف طوائف المجتمع.
الشوق والتعبير عن ذلك: عندما تأخر أبو بكر عن والده، ما كان من الوالد إلا أن يعاتبه، لأنه أطال غيابه، ففاته النظر إليه طوال اليوم، وفي هذا درس لنا أن نعبر عن مشاعرنا لأولادنا ونحتضنهم في كل حين، فكلمات الحب والحنان من شأنها ان توطد العلاقة داخل البيت، فتجعل حياة الأسرة أكثر سعادة.
مزاح الابن مع الأب: يبدو أن علاقة الابن مع أبيه كانت مبنية على التفاهم والصحبة لا على الخوف والأوامر، فقد بادر الابن للمزاح مع والده وإخباره بأمر المال الذي أعطاه له بعد تجارته، وكأنه يقصد تجارة من نوع خاص، تجارة الحب حيث أهدى لصاحبه الفقير حبا ليخفف عنه آلامه، فأهداه صاحبه الغني حبا مضاعفا عبر عنه بالمال.
وهي بالفعل تجارة من أحسن التجارات، تلك التي ترتفع فيها القيم الإنسانية فوق أي اعتبار، وتخلص النيات لوجه الله، فيعوض الله كل الأطراف خيرا.
- التفطن لكل أحوال الابن: من خلال حديث الابن مع والده،جعلتني تلك الكلمات المتبادلة، أن أتخيل العلاقة المتينة بينهما، إذ استطاع الابن أن يكشف خبايا كلام ابنه الذي كان يدور بين المزاح وبين الحديث عن تجارة المحبة، فطلب منه بتأدب أن يخبره بتفاصيل ما وقع، ثم حمد الله على ما أرسله إليهما من رزق.
ونحن اليوم كذلك بحاجة إلى صلة الرحم والفكر مع أبنائنا، وأن نفهم أحوالهم في مختلف مراحل أعمارهم، خاصة وأن العالم الافتراضي يوفر لهم ما يرغبون فيه من مشاعر افتراضية، فيصبحون في إعراض عن أسرهم.
- شكر الله وحمده: إن تكرار ألفاظ الحمد والشكر لله في حضور الأبناء، من شأنه أن يوطد علاقتهم بالله عز وجل، والتي تعتبر المقصد الأساسي في حياة الإنسان، فعلى الوالدين أن يربطا كل نعمة تستشعرها الأسرة بالمنعم الذي لا تعد ولا تحصى نعمه، لذا وجب شكره تعالى في كل حين.
إن هذه القصة جعلتني أستحضر الفتور الذي أصاب علاقاتنا الأسرية، والتي ينبغي أن نعمل جميعا من أجل إعادة تربية أبنائنا تربية سليمة كما فعل أجدادنا، فنستفيد من طرقهم المختلفة في التربية التي كانت تترواح بين الحب والعطف وبين تعليم الاعتماد على الذات، وبين الصراحة والتفاهم، فكانت تربية تحقق التوازن الروحي والمادي لكل أفراد الأسرة.
فنسأل الله عز وجل أن يعين كل الأسر على تربية أبنائهم؛ في عصر زاحمتهم فيه وسائل التواصل التي تسعى لإفسادهم.
بقلم.: الباحثة حنان المطيشي
[1]سراج المريدين في سبيل الدين لاستنارة الأسماء والصفات في المقامات والحالات الدينية والدنيوية بالأدلة العقلية والشرعية القرآنية والسنية، وهو القسم الرابع من علوم القرآن في التذكير، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن العربي المعافري الإشبيلي، تحقيق الدكتور عبد الله التوراتي، السفر الثالث، سلسلة مؤلفات الإمام أبي بكر ابن العربي، دار الحديث الكتانية، ط 1\2017، ص 325\326\327\328.
[2]سراج المريدين، السفر الأول، ص6