حصريا

آصرة الأجيال – أ. زهرة هراوة – الجزائر-

0 716

آصرة الأجيال

أ: الزهرة هراوة/ الجزائر

 

نعيش حياة واحدة على هذه الأرض؛ نأمل أن نحقق كل ما نصبو إليه، وأن نتركها أحسن مما وجدناها، فنعمل بجد لتحسين واقعنا وبناء مستقبل ليعيش أبناؤنا حياة أفضل استقرار وأمن وهداية. كلٌ منا يعمل لأجل ذلك، بما أتيح له من آليات  ومكتسبات وغيرها، فهذا بيده  وذاك بفكره وآخر بجهده.

كل ذلك لتنعم الأجيال القادمة بحياة أفضل من حياتنا، لكن هل تساءلنا كيف نترك الأصل ونعمل على الفروع كيف نسعى لتغيير المستقبل من دون أن يشاركنا أبناؤه فيما نعمل؟كيف نبني الدار قبل أن نكوِّن ساكنيها؟ كمن يبني منزلا عصريا مجهزا بأحدث تقنيات التكنولوجيا وكل ما فيه يتحرك بها وهو يعلم أنه لا يسكنه بل سيهديه لغيره الذي لا يفقه شيئا عن التكنولوجيا فكيف سيتعامل معه؟

إن الحرفي الذي ورث مهنته عن آبائه وأجداده، ويريدها أن تستمر لأجيال قادمة أول ما يقوم به هو أن يشرك أبناءه في عمله ليدربهم عليهم،ليعرفواكل صغيرة وكبيرة فإن تمكنوا من الحرفة أصبح بإمكانه أن يطمئن على ميراث الأجداد بأنه بين أيادٍ أمينة.

هذا في الحرفة  فما نقول في الحياة ككل في مستقبل جيل قادم نعمل لتحسينه بالعلم والعمل دون أن نشركهم فيه أو أن يعوا ما يدور حولهم.

إننا في زمن الطفرة، لم تر البشرية  مثيلا له؛ زمن اختلت فيه الموازين، إذتطورت فيه التكنولوجيا،وأثرت إيجابا وسلبا على المجتمعات  بكل أطيافه وأجياله، وأحدثت تغييرا يكاد يكون جذريا في المجتمع؛ فهو أسرع وأعمق، وأثرت العادات الغربية بشكل مباشر على مجتمعاتنا العربية المحافظة.

والأسرة ليست في منأى عن هذه التغيرات، وقد قال الغزالي –رحمه الله-: “الواقع إن داخل البيت يتأثر بخارجه، و تيارات الميوعة والجهالة والإسراف إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينج من بلائها إلا من عصم الله”[1].

والجيل الحالي أكثر عرضة لهذه التغيرات، مما أدى باتساع الفجوة بين الأجيال وتصدع فاضح. فما هي الأسباب الحقيقية والخفية وراء ذلك؟ وهل هذا الصدع الذي ما فتئ أن يتسع يوما بعد آخر  مشكلة تدفعنا إلى دق نواقيس الخطر والتعرف على مسبباتها  والسعي لحلها ورأب الصدع؟

إن  وجود الفجوة بين الأجيال أمر اعتيادي فكل جيل يختلف عن سابقه من حيث الأفكار والآراء والتصورات والعلم والعمل. لكن اختلال الموازين واتساع هذه الفجوة لحد الغربة بين الأجيال فكأن كل جيل قادم من عالم آخر، هنا وجب الانتباه للخطر المحدق بنا وبأمتناوإن لم نسارع في إنقاذه وإنقاذ الأجيال القادمة سنشهد مسخا حضاريا لم تر الأمة الإسلامية له مثيلا قط.  وذلك بدعم آصرة الأجيال.

آصرة الأجيال: آصرة: رابطة كالقرابة،[2] وفي دراستنا نحاول إيجاد كل ما يكون دعما للروابط بين الأجيال وتوطيدها. وقبل ذلك نتعرف على الفجوة بين الأجيال وأسبابها ومن ثم الحلول الممكنة لرأب صدعها.

والفجوة حسب معجم اللغة العربي المعاصرة هي متسع بين الشيئين، أي فرجة وتجويف..

فجوة الجيل: فجوة تنتج عن تعارض أفكار الأجيال[3].

واصطلاحا الفجوة بين الأجيال: هي اختلاف آراء جيل عن جيل آخر فيما يخص المعتقدات أو السياسات أو القيم.

أو هي الهُوَّة الفاصلة بين أفكار ومعتقدات جيلين أو أكثر. وتشمل الاختلاف أو التفاوت في المعتقدات الدينية والسياسية والفكرية، والقيم والأفعال والأذواق، وغيرها.

أما الجيل: يُعرَّف بمجموعة الأفراد الذين ولدوا وعاشوا في المدّة الزمنية نفسها.

أو الفترة الزمنية الفاصلة بين ولادة الآباء وأبنائهم، وتقدر في البشر ما بين 20 إلى 35 عامًا. ومؤخرًا يقدرها البعض ما بين 15 إلى 20 عامًا.

 

أسباب  اتساع الفجوة بين الأجيال

إن لاتساع الفجوة بين الأجيال عدة أسباب؛ قد تكون متداخلة فيما بينها ومتشابكة، وقد تكون إحداها تحصيل حاصل لأخرى، وما نتفق عليه هو أن اجتماعها في وقتنا الحالي أدى إلى هذه الهوة وهذا الشرخ الذي يأبى أن يرأب صدعه((وتعود ظاهرة صراع الأجيال هذه لمركب من الأسباب من بينها تأكل الأسرة كمؤسسة اجتماعية وتراجع الإحساس بالهوية القومية المشتركة وتزايد معدلات الفردية وما يصاحبها من نفعية وتزايد الحس البراجماتي[4])). وعلينا تشخيص الداء لاقتراح الحلول العملية الممكنة.

  1. الأسباب الاعتيادية: تعتبر الحركة الديناميكية للزمن والتي تعمل على تغير الواقع والمستقبل حسب ما يتشكل من معطيات مختلفة مما يؤدي إلى تغير فكر أبناء “جيل ما ” وآرائهم عما مضى من الأجيال السابقة من بين الأسباب الاعتيادية التي تسيير وفق خطى ثابتةـ والتغير قد يكون طفيفا ولا يكاد يظهر في بعض الأحيان والفجوة تكون ضيقة إن لم نقل منعدمة خاصة مع التغير الاجتماعي الذي كان فيما سبق يتحرك بوتيرة بطيئة. وقد يكون واضحا وإن لم يكن عميقا وسريعا.
  2. التطور العلمي والانفجار المعرفي وأثره في المجتمعات وتركيبتها فقد أصبح الجيل الحالي يقدر على الحصول على كم معرفي هائل بضغطة زر، أو لمسة أصبع لهاتفه ليعرف أمورا عدة يجهلها الجيل السابق بسبب أمية هذا الأخير من التمكن من الوسائل الحديثة. كما أنه قد آثر هذا الجيل المعرفة الجاهزة على التحصيل العلمي الشاق مما ظهر لنا تباين في التفكير لدى الأجيال.
  3. شبكات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي: ولها نصيب كبير في تفكك الأجيال وتصدعها لما فيها من انغماس الجيل الحالي في شاشة هاتفه  وإدمانه عليها، وانقطاعه عن العالم الواقعي مما أدى إلى تفاقم الوضع واغتراب الأبناء عن آبائهم.
  4. العولمة: وآثارها السلبية بطغيان الأفكار الغربية على المجتمعات العربية وتأثر هذه الأخيرة تأثرا غير مسبوق بما في الغرب من عادات وأفكار ومعتقدات.ولنتتقل مع المسيري–رحمه الله- وهو يرصد التحولات الفكرية ويؤرخها؛ يرصد الوقائع ويفسرها في الولايات المتحدة أين اختفت الكثير من العادات المشتركة بين الأجيال مما وسع في الفجوة بين الأجيال وزيادة حدةالصراع بينها: “لم يعد هناك في الغرب مجرد فجوة أو صراع بين الأجيال، وإنما تطاحن وحشي، وفردية مطلقة فالفجوة بين الأجيال آخذة في الاتساع، والصراع بينها يزداد حدة، .. وقد شاهدت هذه الظاهرة بشكل أكثر حدة في الولايات المتحدة[5].”
  5. انحسار الأسرة الممتدة وانعدامها في أغلب التجمعات الحضرية وحتى التجمعات الريفية، بعدما كانت الأصل وما تحويه من عدة أجيال داخلها وتأثيرهم على الأبناء؛ من وجود الأجداد والجدات والأعمام والأخوال ليتربى الطفل في وسط مختلف الأجيال ويستقي من معارفهم ومكتسباتهم، وقد يغطي أحدهم غياب الأب أو الأم،  وتحدث المسيري -رحمه الله تعالى- عن أسرته الممتدة وأثرها في تكوينه في سيرته الذاتية رحلتي الفكرية إذ يقول: “فالأب موجود والأم موجودة، والأخوال والأعمام والخالات والعمات موجودون، وهذا يخفف من عبء تنشئة الأطفال.. عند غياب الأب فهناك دائما من يحل محله”[6].. وعلى الطرف النقيض ما يوجد في الولايات المتحدة.
  6. انسحاب أغلب جيل الآباء عن أدوارهم الأبوية بسبب عدم تفرغهم والجري وراء لقمة العيش التي أرقت مضاجعهم مما أدى إلى أن اتساع الهوة والفجوة بينهم وبين أبنائهم.

كل هذه الأسباب وغيرها أدت إلى اتساع الفجوة بين الأجيال واغتراب الجيل الحالي.

الحلول الممكنة: إن لكل مشكلة حل، ولكل داء دواء يستطب به، وما إن يتم تشخيص الداء والكشف عن المشكلة ومسبباتها حتى تبرز الحلول جلية تحتاج فقط إلى أيادٍ طاهرة متوضئة وفكر صادق متّقد، وإرادة صلبة، تعي حقا أن لا وجود للمستحيل. ومن هذه الحلول:

  1. إعادة الاعتبار للأسرة الممتدة:وفي ذلك تقول الدكتورة شفاء الفقيه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أسس للعلاقة الرحمية الممتدة من خلال استخدام أساليب الترغيب والترهيب، وتحفيز الفرد نحو الاهتمام بعائلته الممتدة وبناء جسور التواصل معها، وربط ذلك ببركة الرزق والعمر، وهما أمران يحرص عليهما كل إنسان[7]. وقد أصَّلت لها الشريعة الإسلامية منهجا متكاملا أوجدت فيه الأدوات التي تحفظ الأسرة الممتدة وتحقق دورها في احتضان الفرد ورعايته وتنشئته مما رسخ لدى الفرد الشعور بالدعم الاجتماعي المتبادل… ونقل التراث والقيم[8]. ولا أقصد بالأسرة الممتدة تلك التي يعرفها علماء الاجتماع بحصرها في السكن، بل يمكن للأسرة الممتدة أن تقوم بدورها وإن لم يكن أفرادها يتشاركون نفس المسكن، ما يعني بقاء الروابط بين الأقارب والحفاظ عليها.
  2. الاعتناء بالمناهج التعليميةلترسيخ المبادئ والقيم الإسلامية وتعزيزها لدى الشباب وتحصينهم من كل أفكار غريبة دخيلة.بمطالبة الحكومات في الدول المسلمة بتضمين المقررات الدراسية نصوصا تشيد بالأسرة وضرورة المحافظة على تماسك أفرادها وانسجامها مع تطلعات المجتمع والأمة، وإسهام الإعلام في التنسيق لتثمر جهودا متآزرة نحو الهدف نفسه.. وإحياء قيم الأصالة والانتماء الحضاري، وبيان تهافت التقليد الأعمى للمجتمعات الغربية وسذاجته، وان تجتهد الأسرة الصغيرة (النووية) والكبيرة (الممتدة) في إيجاد جسور تواصل متبينة بين الأجيال الجديدة وشريحة الشيوخ[9].
  3. السماح للأبناء بالحضور للمساجد ومجالس العلم هناك مثل عثماني قديم يقول:”إن لم تسمع صوت الأطفال في الصفوف الخلفية للمساجد فاعلم أن الأجيال القادمة في خطر”. وهو نابع من نظرة استشرافية بأن الجيل القادم إن لم يتربى في المساجد بين أحضان مختلف الأجيال السابقة له التي تعلمه تارة وتوجهه طورا آخر سينشأ جيلا بعيدا كل البعد عن الإسلام، وسيكون هناك شرخا هائلا لا يمكن إصلاحه، لذا وجب الاعتناء بهذه النقطة بالذات والتنويه عليها. وإن وجود الأطفال بالمساجد سيؤدى بالضرورة إلى حضورهم مجالس العلم والتعلم منها والاستفادة مما فيها، ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم النموذج الواجب اتباعه ومنها على سبيل المثال لا الحصر؛إذ يأسرني مشهد ذلك الصبي الذي يجلس بجوار النبي صلى الله عليه وسلم من جهة يمينه وهو يستمع إلى حواره مع جلسائه  من كبار القوم وشيوخه، وهو هو صغير في السن، فيأتي أحدهم بإناء لبن يقدمه لرسول الله عليه أفضل صلاة وسلام، فيشرب، ثم يلتفت الى الصبي ليستأذنه بأن يقدم اللبن من جهة الشيوخ أو يشرب هو،فيأبىإلا أن يحصل على بركة الشرب بعد رسول فيمنحه ذلك[10]……وفي ذلك إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم بالاهتمام بالطفل، وأن يفسح له لحضوره لمجالس العلم، مع الشيوخ  والتأكيد على إعطائه حقه، وإشعاره بقيمته، وتعويده الشجاعة وإبداء رأيه في أدب، وتأهيله لمعرفة حقه والمطالبة به. وفيه إشارة إلى تماسك الأجيال وانحسار الفجوة بينها.

4- الحد من هيمنة العولمة: وكما قد أسلفت في الحديث عن العولمة ومدى خطورتها في تفتيت المجتمعات المحافظة وترسيخ لعادات وأفكار غربية بعيدة كل البعد عن قيمنا، علينا أن نحد من هذه الهيمنة والدور منوط بالحكومات والإعلام ونخب المجتمع والمثقفين بتوعية الأجيال من مخاطر العولمة وتحذيرهم من التقليد الأعمى. وإرشادهم إلى الاعتزاز بمبادئهم وقيمهم الحضارية الإسلامية وعدم الذوبان في أتون حضارة غربية التي قضت على الفضيلة والقيم الإنسانية النبيلة.

ومنه فإن وجود الفجوة بين الأجيال -كما سبقت وأشرت إليه- أمر اعتيادي لاختلاف الزمان والظروف وتغير الحياة، إلا أنه يجب الاتحاد من كل فئات المجتمعات المسلمة للتصدي لظاهرة التصدع الهائل والشرخ المخيف بين الأجيال بالعمل على اجتماع الأجيال داخل الأسرة والمحافظة على الأسرة الممتدة، وتمكين الأبناء ومن بلغوا سن الحلم بالحضور إلى مجالس الذكر والعلم، وإعطائهم الفرصة لإبداء آرائهم والمشاركة في اتخاذ القرارات، وترشيد المناهج التعليمية خدمة للمجتمع المسلم والحفاظ على مقوماته ومبادئه دعما لآصرة الأجيال المسلمة.

التهميش

[1] محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، دار الشروق، القاهرة، ط 7- 2002 م، ص 155.

أحمد مختار عمروآخرون معجم اللغة العربية المعاصرة، الجزء الأول، مادة أ ص ر، عالم الكتب، ص99.[2]

معجم اللغة العربية المعاصرة مادة، ف ج و، الجزء الثالث، ص 1675.[3]

[4] عبد الوهاب المسيري رحلتي  الفكرية، ص 25.

 المسيري، رحلتي الفكرية، ص 25.[5]

[6]المسيري المرجع السابق، ص 24.

د. شفاء الفقيه، الأسرة الممتدة ودورها في بناء الشخصية المسلمة، نماذج تطبيقية من بيت النبوة، كتاب الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، ص263.[7]

 شفاء الفقيه ، المرجع السابق، ص 264.[8]

 إبراهيم رحماني، أثر العرف والتحولات الاجتماعية في الأسرة المسلمة من كتاب الاسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، ص 347.[9]

[10]عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام:«أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟»، فقال الغلام: لا، والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتلَّه -وضعه في يده- رسولُ الله صلى الله عليه وسلم».(رواه البخاري [2605]، ومسلم [2030])

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page