حصريا

أطفالنا والإدمان الالكتروني-أ. بن قسمية عيشة-الجزائر-

0 749

 

أطفالنا والإدمان الالكتروني

أ/ بن قسمية عيشة

 

يُعدُّ إدمان الأطفال على الأجهزة الالكترونية والانترنت من القضايا التربوية المستجدّة التي تشكل تحدِّيا أمام الآباء والأمهات في تربية أبنائهم التربية السليمة الصحيحة، وتنشئتهم وإعدادهم إعداداً كاملا ًمن جميع النواحي، والإدمان الالكتروني هو الاستخدام المفرط للمحتوى الرقمي والأجهزة الذكية بشكل يومي حيث يتعارض مع الحياة اليومية والنشاطات التي يجب القيام بها، وقد وجد المختصون أن عدم ترشيد استخدام الأطفال لهذه الأجهزة له مخاطر وأضرار نفسية وصحية وعقائدية وفكرية وثقافية، وخلُصت كل الدراسات إلى أن الاستخدام غير المتوازن للأجهزة الالكترونية يُصنّفُ بأنه صورة من صور الإدمان.

إنّ المشكلة تكمن في أن عالم الأجهزة الالكترونية يستحوذ على كثير من أبنائنا للدرجة التي يطغى فيها على عالمهم الحقيقي، فبعض الأطفال والمراهقين اختاروا بالفعل أن يكونوا على اتصال بالأجهزة الذكية بدلا من التواصل مع ذويهم وأصدقائهم في العالم الواقعي، هؤلاء الأطفال هم من وصل بهم إدمان الالكترونيات والانترنت للدرجة التي أثرت فيها على حياتهم، وتشير الأبحاث إلى إن الإدمان الالكتروني ليس مثيلا لحالات الإدمان الأخرى كالمخدرات والكحوليات بل هو عادة قَدْ تَمَّ فَقْدُ السيطرة عليها للدرجة التي أصبحت تؤثر على طبيعة حياة الشخص العادية وعلاقاته بالمجتمع والمحيط.[1]

وقد صنفت منظمة الصحة العالمية (WHO) الإدمان على ألعاب الفيديو كمرض عقلي ضمن التصنيف الدولي للأمراض  (ICD)النسخة الحادية عشر في رسالة نشرتها على موقعها تضمنت الآتي:

لماذا تم تضمين اضطراب ألعاب الفيديو في ICD-11؟

تم الإبلاغ عن قرار إدراج اضطراب ألعاب الفيديو في ICD-11 من خلال تحليلات الأدلة المتاحة ويستند إلى توافق آراء الخبراء في مختلف التخصصات، من المناطق الجغرافية المتنوعة، والذين شارك في المشاورات الفنية التي عقدتها منظمة الصحة العالمية كجزء من تطوير ICD-11.

يتبع تضمين اضطراب ألعاب الفيديو في ICD-11 تطوير برامج علاجية للمرضى الذين يعانون من حالات مماثلة لخصائص اضطراب ألعاب الفيديو، التي لوحظت في أجزاء كثيرة من العالم، مما سيؤدي إلى قيام المهنيين الصحيين بإيلاء اهتمام متزايد لمخاطر تطور هذا الاضطراب، وبالتالي إلى التدابير الواجب اتخاذها من حيث الوقاية والعلاج.

هل من المحتمل أن يصيب أي مشغل ألعاب فيديو اضطراباً مرتبطاً بهذا النوع من الألعاب لاحقاً؟

تشير الدراسات إلى أن اضطراب ألعاب الفيديو يؤثر فقط على جزء صغير من الأشخاص الذين يستخدمون الألعاب الرقمية أو ألعاب الفيديو ومع ذلك، يجب أن يكون أي لاعب على دراية بالوقت الذي يقضيه في الألعاب، خاصة إذا تأثرت أنشطته اليومية، وأي تغيير بدني أو نفسي، اجتماعيًا وصحيًا، يمكن أن يعزى إلى السلوك مجموعة[2].

وإدمان ألعاب الفيديو هو جزء من الإدمان الالكتروني لذلك ينطبق على الإدمان الالكتروني ما ينطبق على ألعاب الفيديو من أعراض واضطرابات صحية ونفسية وعقلية.

أما الأمم المتحدة فقد أطلقت مؤخراً مصطلح حديث للفت الانتباه إلى نوع جديد من مسؤولية الوالدين لحماية أبنائهم أثناء استخدامهم للعالم الرقمي وأجهزته الالكترونية هذا المصطلح عُرف بـ: الوالدية الرقمية (Digital Parenting)، “وهو مصطلح حديث أطلقته الأمم المتحدة مؤخرا نتيجة لحجم التحديات العالمية التي تواجهها صحة الطفل النفسية والعضوية وآثارها في اضطرابات الشخصية والتواصل الاجتماعي والحد من فرصة أخذ القدر الكافي لاكتمال باقي مراحل النمو الأخرى التي يحتاجها الطفل في حياته، عندما تحتل هذه الأجهزة اللوحية مساحة كبيرة من وقته وتركيزه مما يجعلها تؤثر على عقله وسلوكه، لما يمكن أن يترتب على محتوياتها السيئة في الألعاب ومحركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي أو الوقوع بجهالة في إحدى الجرائم الالكترونية المنصوص عليها أو التعرض لها، ومن هذه الجرائم على سبيل المثال التحرش والابتزاز والعبث بالغرائز وانتحال الهوية وغيرها من الجرائم الالكترونية التي تشكل ضررا بالغا وتهديدا واضحا”،[3] والوالدية الرقمية تعني وعي الآباء والأمهات بالأجهزة الالكترونية ومحتوى الانترنت لتقليص الفجوة الرقمية بين الآباء والأبناء والاستفادة من هذه الوسائل بالشكل السليم وتجنب ضررها على الأسرة والأبناء.

وفي إطار الوالدية الرقمية (Digital Parenting) ظهر مصطلح الوالدية الرقمية الجيدة (Good Digital Parenting) أو “الأبوة الرقمية المسؤولة” والتي تستوجب فهم الآباء للعالم الرقمي وكيفية استخدام الأجهزة الالكترونية لسد الفجوة بين الوالدين والتكنولوجيا، والوالدية الرقمية الجيدة هي مجموعة المهارات، والمعارف والأساليب، والاستراتيجيات التي يعتمدها الوالدين لمتابعة أنشطة أبنائهم على شبكة الإنترنت، وتنظيم استخدامهم لأجهزة الحاسوب، والهواتف الذكية لحفظ حقوقهم الرقمية، والتي منها التعليم والترفيه وإشباع الحاجات المختلفة وكذلك الحفاظ على أمنهم وسلامتهم،[4] وحمايتهم من الإدمان الالكتروني.

ولتفادي وقوع أبنائنا في الإدمان الالكتروني توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بمنع من هم أقل من سنتين من استعمال الأجهزة الالكترونية نهائيا، بينما حدّدت ساعة واحدة يوميا كحد أقصى لمن هم بين سنتين و6 سنوات، أما الأطفال من عمر 6 سنوات إلى 12 سنة فمسموح لهم بساعتين يوميا فقط، ومن عمر 12 سنة إلى 18 سنة لديهم الحق في ثلاث ساعات يوميا، هذا البرنامج حسب الأكاديمية الأمريكية هو الأمثل لمنع إدمان الأطفال على الإلكترونيات.

وتوضح الدراسة التي أجراها الدكتور “هانز يورغن رومف” سبع علامات يمكن للآباء عن طريقها الاستدلال على ما إذا كان أبناؤهم مدمنين على الإنترنت، وهي:

  • استخدام الإنترنت أربع ساعات يومياً فأكثر.
  • وجود علامات الانسحاب، مثل العصبية أو الانزعاج أو الحساسية من أي محفز خارجي عندما لا يكون الشخص متصلاً بالإنترنت.
  • فقدان السيطرة على النفس، إذ لا يستطيع الشخص السيطرة على بداية ونهاية فترة تصفح الإنترنت بنفسه ودون تدخل خارجي.
  • قلة الاتصالات الاجتماعية.
  • تدهور الصحة، مثل علامات قلة النوم والشحوب صباحاً وآلام في العمود الفقري والعينين والأعصاب.
  • مشاكل في مكان العمل أو المدرسة.
  • التعلل بالأسباب، عبر البحث عن حجج بشكل دائم لإهمال الواجبات المدرسية أو المنزلية من أجل الجلوس أمام الكمبيوتر وتصفح الإنترنت.
  • تزايد أوقات تصفح الإنترنت، فكما في حالات الإدمان على أي مادة، فإن المدمن لا يكتفي بقدر معين ويسعى إلى زيادته بعد تعود جسده عليه. وكذلك مدمن الإنترنت يسعى دوماً إلى زيادة عدد ساعات تصفحه يومياً كي يكون راضيا.ً[5]

وقد حدّد الباحثون في مجال التربية أن الإدمان على الالكترونيات عند الأطفال غالبا هو هروب من واقع، لذلك كان علاج المشكلة في واقع هذا الطفل هو نصف الحل.

إنّ الذي يصنع الفارق في حل هذه المشكلة التربوية حسب الدكتور جاسم المطوع أخصائي تربوي ومستشار أسري هو كيفية التعامل مع هذه الوسيلة وكيفية التحكم في محتوى وتوقيت استعمال هذه الوسيلة، إذ يرى الدكتور أن الأُسرة اليوم بحاجة لأب وأم على قدر من المسؤولية والوعي والحزم يضبطون أوقات استعمال أبنائهم للأجهزة الالكترونية والاستفادة من محتواها بما ينفعهم ويطوّر قدراتهم، فلابد من قانون ونظام للتعامل مع الأجهزة الذكية وتوزيعٍ للأدوار داخل الأسرة وتنظيمٍ للوقت بين الترفيه والجد والعبادة والعلم والعمل حتى تكون التربية متوازنة وصالحة.

أما الدكتور مصطفى أبو سعد استشاري نفسي وتربوي فينصح بخطوات لتخفيف تعلق الأبناء بالأجهزة الالكترونية كملء أوقات فراغهم بأنشطة رياضية أو ثقافية أو اجتماعية أو خيرية أو هوايات ممتعة، أيضا من الطرق الفعالة جلوس الآباء والأمهات مع أبنائهم واللعب والتنزه معهم بحيث يكون الوقت الذي يقضوه معهم أكثر من وقت جلوسهم أمام الالكترونيات للتصفح أو المشاهدة، وفيما يخص الألعاب الالكترونية فقد ذكر 10 أسباب كافية لمنعها عن الأبناء وهي:

  • الألعاب الالكترونية تعطل النمو السليم للدماغ عند الطفل.
  • الألعاب الالكترونية تؤثر سلبا على الوظائف الدماغية للطفل.
  • يصبح لدى الطفل اللاعب قصور في الانتباه، قصور في التذكر، قصور في التركيز، إضافة إلى قصور في حل المشكلات والتخطيط.
  • الألعاب الالكترونية تساهم في تأخر التطور الجسدي لدى الطفل لأن الألعاب الالكترونية تسبب قلة الحركة وقلة الحركة تسبب تخلف وتأخر في نمو الجسم.
  • الأطفال الذين يلعبون الألعاب الالكترونية يوميا ساعة فأكثر 30% منهم يصابون بالبدانة وبالتالي هم معرّضون للإصابة بالأمراض.
  • الألعاب الالكترونية تنشئ طفلا غير اجتماعي ويكون طبعه الانطوائية.
  • الأطفال الذين يلعبون الألعاب الالكترونية أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية واضطرابات النوم والقلق والتوتر.
  • الأطفال الأكثر استخداما لهذه الألعاب خاصة الألعاب الالكترونية التي تحوي على عنف وقتل تؤثر بشكل كبير عليهم وتجعلهم أكثر عدوانية تجاه أنفسهم وتجاه غيرهم.
  • أيضا الإشعاعات التي تنبعث لساعات طويلة من الشاشات تضر بصحة الطفل.
  • آخر سبب وهو الأهم إمكانية إصابة الطفل بالإدمان الالكتروني بسبب ممارسته المستمرة للألعاب الالكترونية.

 

 

وينصح الخبراء ببعض التدابير البسيطة للتخلص من الإدمان الالكتروني عند الأطفال وهي:

  • وضع الأجهزة الالكترونية خارج غرف نوم الأطفال بحيث يصعب عليهم الوصول إليها.
  • وضع أماكن في البيت يمنع فيها استعمال هذه الأجهزة كالمطبخ وغرف النوم.

ومن الحلول التربوية التي اقترحتها أيضا الدكتورة هالة سمير المستشار الأسري والتربوي ومستشار الصحة النفسية هي الوقاية من الإدمان الالكتروني قبل وقوع الأبناء فيه، والوقاية تكون بتنظيم وتحديد وقت استخدامهم للأجهزة الذكية ومواقع الانترنت، وترى أن المشكلة في اعتياد الأطفال على الألعاب والأجهزة الالكترونية وفي مدة قضاء أوقاتهم أمامها واعتبارها نمط سلوكي أساسي في الحياة لا يمكن للطفل الاستغناء عنه، حيث تشغل مساحة كبيرة من وقته على حساب باقي أموره الحياتية، أيضا تنصح الدكتورة بالتدرج في تقليل ساعات استخدام الأبناء للأجهزة مع إيجاد بديل ممتع للأطفال يشغل أوقاتهم التي كانت تملؤها ألعاب الفيديو والأجهزة الالكترونية، وتؤكد على ضرورة الصبر عليهم خلال مرحلة التغيير السلوكي ووجوب معالجة السبب وراء هذا الإدمان على الإلكترونيات لدى الطفل.

وتؤكد النظريات التربوية والنفسية أن وضع برنامج لتنظيم وتحديد وقت الطفل في استعمال الأجهزة الالكترونية أكثر الحلول المقترحة للحد من الإدمان الالكتروني لدى الأطفال.

ومن طرق مواجهة هذه التحديات القيام بنشـر الثقافـة الإسـلامية بـين أبنـاء المسـلمين فهي مـن أهـم الخطـوات الإيجابيـة في تـربيتهم. والعـالم الآن يعـيش تحـت سيطرة الغزو الفكري والثقافي. أعداء الإسلام يصنعون برامج شتى ثقافية ويبثونها علـى سـائر البلـدان. لـو أردنـا نـربي أولادنا تربية صالحة علينا أن نقوم بنشر ثقافاتنا وأفكارنا بـين أبنائنـا. وذلـك بإقامـة القناعـات التلفازيـة وبـث الـبرامج الإسلامية التي تسد حاجة أبناء المسلمين. وكذلك إصدار الصحف والمجلات والدوريات وصـناعة الأفـلام والسـينما رعاية للآداب الإسلامية التي تبين حقيقة الدين الإسلامي وتظهر ميزات الإسلام وثقافاته بين الناس[6].

إن تربية الأبناء في الإسلام من خصائصها المرونة والتي من خلالها يمكن تطويع المنجزات الحضارية الحديثة مثل وسائل الاتصال والتقنية من خلال ابتكار الأساليب والأدوات والوسائل للتغلب على هذه التحديات ومواجهتها والاستفادة منها.

وإضافة للخطوات السابقة فإن نجاح تربية الأبناء التربية السليمة الصحيحة في ظل التحديات المعاصرة يحتاج كذلك لمعالم أخرى كصلاح الوالدين، الاستعانة بالله والاعتماد عليه، الدعاء لهم والأخذ بالأسباب الصحيحة الشرعية، العزيمة الصادقة لتربيتهم تربية متوازنة ناجحة، الحرص على تربيتهم بالقدوة الحسنة وغيرها من الأساليب التي تحصنهم من أخطار وفتن المتغيرات الثقافية والفكرية والعقدية والنفسية الراهنة.

 

 

 

 

[1] -إدمان الانترنت، ص4، بتصرف، .

2- “الاضطراب الناجم عن اللعب”، منظمة الصحة العالمية، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020 (تاريخ الدخول: 14 حزيران/جوان 2022)، .

[3] -خلايفية عمار، دحماني محمد، “وقع برامج الوالدية الرقمية في الدول العربية الجزائر، قطر، لبنان –نموذجا-“، مجلة بحوث و دراسات في الميديا الجديدة )المجلد 2/العدد4، 2021(، ص28، .

-[4]  خلايفية عمار، دحماني محمد، “الوالدية الرقمية الجيدة ودورها في حماية حقوق الأطفال الرقمية دراسة نظرية تحليلية”، مجلة الرسالة للدراسات الإعلامية )المجلد 5/العدد4، 2021(، ص109، https://bit.ly/3QvVEiq.

-[5]  “ثماني علامات على إدمان الإنترنت”، الجزيرة نت، 16 آب/أوت 2015 (تاريخ الدخول: 18 آب/أوت 2022)، https://bit.ly/3y3IHpc.

 -[6] محمد أمين الحق، التحديات المعاصرة في تربية الأولاد المسلمين في مجتمع بنغلاديش: دراسة تحليلية، ص12، .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page