أمي : المربية الرائعة “حنان لحام”
نسيبة محمد حسن هلال
و في تلك اللحظات العصيبة التي مرت بي، حيث كنت أشعر بالتهديد الشديد و الخوف، كانت تتراءى لي صورتها وصوتها وكنت أرى الشخصيات التي كانت تحكي لنا عنها: سمية بنت خياط وبلال تحت التعذيب يقاوم ويقول أحد أحد ، وسلمان الفارسي الذي تخلى عن موروثه الثقافي ليدخل في الإسلام ، و الزوجين اللذين أطعما ضيفهما، وتركا أطفالهما ينامون دون عشاء. كل تلك الشخصيات كانت تخرج من صندوق الماضي، لترشدني إلى الطريق الذي أكاد أتوه عنه، لتثبت أقدامي، وتجعلني أشعر بالطمأنينة وأنا أسير وراءها.
أجل ، لقد كانت أمي تحكي لنا كل يوم حكاية عن واحد من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ..أتذكرها برداء صلاتها حين تنتهي من صلاة المغرب والسنة، لتجلس على سجادة الصلاة تنتظر وقت العشاء، و أجلس بين يديها أرقب وجهها وعينيها كيف كانتا تتألقان، أستمتع بصوتها الذي يعلو ويخفت ويحفر عميقا ينحت شخصيتي، تلفتني حركات يديها وأصابعها وهي ترتفع وتنخفض، لتؤكد قوة الشخصية التي تحكي عنها.. أذكر أنني سألتها يوما حين كنت في الثامنة من عمري، بعد أن انتبهت إلى أنها تطيل في الصلاة: أمي أتحبيننا أكثر ؟ أم تحبين الله أكثر ؟ نظرت إليّ لثوان حسبتها دهرا، ثم قالت: أحبكم كثيرا و لكني أحب الله أكثر !! هوى شيء في أعماقي لحظتها وأحسست بالحزن، ولكني لم أدرك أن كلامها هذا جعلني أتمثلها كقدوة لي، وبعدها عرفت أنها ستبقى منارتي الراسخة التي تدلني على الطريق.
ماذا أحكي لكم يا سادة ؟! في البداية حين فتحت عينيّ على هذه الدنيا لم أجد سوى الكتب والكلمات تحيط بي من كل جانب لم يكن لدينا تلفاز فقد أرادت أمي حمايتنا من الإعلام و الصور المرئية في ذلك الوقت، كانت تعتبر أن كل ما في التلفاز من برامج هي مذهبة للعقل مضيعة للوقت، وكان البديل هو الكتب الروائية والكتب العلمية والمزيد من الكتب، و هكذا كانت جائزتي الأسبوعية في الثمانينات هي عدد من مجلة أسامة ولغز من ألغاز المغامرين الخمسة.. و عدا ذلك كنت أرقب القراءة النهمة التي انهمك بها أخواتي بتشجيع من أمي وأبي أيضا فأحاول التقليد فقرأت في ذلك الوقت وقبل أن أتم السنة العاشرة من عمري روايات بنت الهدى، وقصة الباحث عن الحقيقة، وبعض الروايات العالمية بتشجيع منها أيضا، ثم إنها أيضا نقلت عادة القراءة إلى أولادي حتى صارت لازمة لهم كالطعام والشراب .
في تلك الأيام التي كانت لأمي جلساتها الإيمانية في تفسير القرآن و تدبره في المسجد ، كنت أذهب معها وأجلس مقابلها طفلة تنهل من أمها كل ما تحكيه، وكان يتملكني النعاس أحيانا وأنا مغتبطة أسمع نبرة صوتها القوية الهادئة . أمي كانت تزن أمامنا كل أمر بميزان التقوى، كانت تغذي فينا الضمير الذي كبر داخلنا . فعلى الصعيد الشخصي لم أسمعها يوما تتحدث على أحد بالسوء، كانت لا تبادل الإساءة إلا بالإحسان، كانت تستيقظ كل يوم صباحا لتسرع بالقيام بهمة ونشاط بالأعمال المنزلية، ثم تطبخ، وبعدها تتفرغ للقراءة و الدراسة والكتابة.. وفي لحظة ما في التسعينات قررت أمي أن الجيل الجديد الصغير هو الأكثر قدرة على الانتفاع من الأفكار التي كانت تطرحها في كتبها وجلساتها، فافتتحت روضة للأطفال في دمشق، و كان لي الحظ الكبير أن عملت معها، فكانت قدوة للمعلمات قريبة من الأطفال، تحضر معهم الدروس، تجلس معهم في الاستراحة، تتحدث معهم، تراجع المناهج والدفاتر، تسد القصور في عمل إحدانا، لم يسمع لها صوت عال أو كلمة نابية، كانت تحاول بناء شخصية الأطفال من خلال القدوة أولا فحرصت على انتقاء معلمات رائعات، ودربتهن على إيصال أفكار السيرة النبوية للأطفال وتفسير السور القصيرة، وعلى تطبيق الإسلام في الحياة اليومية والتحدث أثناء العمل مع الأطفال باللغة العربية الفصحى، حتى يكونوا قريبين من قرآنهم. كانت دائما في جهد وسعي لتبسيط المفاهيم الإسلامية لعقول الأطفال، وفي هاجس دائم لحل مشكلاتهم اليومية بالحكمة، تستقي الحلول من الآيات والأحاديث لتطبقها على أرض الواقع. كانت القدوة أما لنا والقدوة جدة لأحفادها والقدوة معلمة لطالباتها والقدوة مديرة لروضتها وكفاني فخرا أنها أمي .