لقد قامت حركة الإسلام الإصلاحية،على احترام المرأة، كأم وزوجة وأخت وبنت، وقريبة من جميع جهات القرابة والنسب، وتجلى هذا الاحترام في مبادئ الإسلام التي تضمنتها أحكامه الفقهية، ومقاصده الشرعية. فنشأ بهذا الرصيد التشريعي وسط حضاري،وتشكلت بيئة راقية، مشبعة بقيم الكرامة والعفة والمشاركة الإيجابية، مما جعل المجتمع المسلم وسطا نموذجيا لتقاليد جميلة، وعادات رفيعة، ضمِنت الحقوق ورعت الواجبات.
ولئن توالت على المجتمع المسلم مراحل وأوضاع ضعفت فيه القيم على مستوى الواقع، فالسبب في ذلك هو عصور الانحطاط التي خيم أثر التخلف والجمود فيها على تفاصيل المجتمع، وكذلك الغزو الغربي المتدفق من هنا وهناك، والذي انبهر به قوم نادوا باتباع النهج الغربي في الحياة الخاصة والعامة، وماشهدته وتشهده ساحة المجتمع المدني اليوم من حركات نسوية ترتكز في خطاباتها على توصيات مؤتمرات ومؤسسات عالمية، تخالف المرجعية الشرعية، علاوة على كثافة الضخ للأفكار والصور والمشاهد السمعية البصرية عبر وسائل الاتصال الرقمي والفضائي، ووسائل التواصل الاجتماعي، المتناقضة مع خصوصيات المجتمع المسلم،وثوابت هويته الحضارية. مما انعكس نسبيا على الأسرة عامة وعلى المرأة خاصة، ممايهدد التدين العام -لاقدر الله- بتدمير عقدي وقيمي في النفوس.
وإن الخطر الداهم هذا، يجعل من مسؤولية العلماء ومهمة الدعاة،وأولويات الإعلام،القيام بوظيفة النذارة،لأجل صناعة جو نفسي وثقافي عام من الحذر الحضاري،وإعداد القوة العلمية لحفظ العقول بالمفاهيم الشرعية الصحيحة،وذلك بتفعيل أقلام المفكرين، ودعوة العلماء والباحثين للقيام بالجهود التنويرية اللازمة للناس ، مما يكفل بتحصين البنية الأساس للمجتمع المسلم وهي الأسرة.
وفي هذا السياق يأتي مقال الدكتور محمد شاكر المودني، ليقارب موضوع الطفولة كمكون جوهري للأسرة ومسؤولية الإعلام في التثقيف والتربية إلى جانب مؤسسات أخرى. وتعتبر محتويات هذا العدد من مجلة آصرة بصفة عامة،استجابة لهذا النداء الذي أعلناه، ومن مفرداته في العمل الإعلامي الملتزم بقضايا الأمة،العمل الفكري المعرف بالقيم الإسلامية،وشخصيات التاريخ الإسلامي وماتحمله من عبر ودروس،مثل مقال: نساء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:آمنة بنت وهب: سليلة العزّ والنسب،لسهام داوي،وهي واقعة تحمل عناوين ثقافية مهمة؛ مثل اليتم،ومشاهد الفراق بين الطفل وأمه،وصفاء ونقاوة النسب الذي تحمله المرأة الأم عبر تقليد الزواج. ومن هذا القبيل مقال: ملامح الإصلاح الأسري في الشريعة الإسلامية. للدكتور:يونس ريحان. ومقال: المرأة والفعل الاجتماعي لليلى جوادي، ومقال: تفعيل دور المرأة في حماية المرجعية الدينية للدكتورة عائشة لروي، ،ومقال: الحماية الخاصة للأطفال إبان النزاعات المسلحة لفريحة بوشباط، ومقال:تعليم التربية الإسلامية زمن الحرب ليلى نبيل الكردي.
إن معالجة قضية الأسرة تقتضي تناول كل مكوناتها بالدراسة وتحديد الواجبات والحقوق،وإبراز مقومات العلاقات البينية،المتعلقة بالرجل/الزوج،والمرأة/الزوجة،والطفل/الإبن، كما ينظمها التصور الإسلامي، من هنا تأتي المقالات الآتية: مقال: تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية للدكتورة إيمان سلاوي، ومقال: ذكاء المسافة في العلاقات االأسرية للأستاذة عتيقة نابتي.ومقال :التربية على الابداع داخل الاسرة لسعيدة بوطاهر. فالشكر لكل هؤلاء جميعا، لعمارتهم لهذا العدد السابع من مجلة آصرة، من أجل تحقيق مدلول هذا الإسم الجميل؛ وهو تمتين أواصرالصلة بين مكونات الأسرة،التي تعد الوحدة المركزية والاستراتيجية لتماسك المجتمع المسلم ككل.
وإننا لنرجو أن يستمر العطاء الفكري،الذي يعبر عن حالة السواء و العافية الثقافية لدى غالب مثقفينا،الذين يشعرون بثقل الأمانة،الملقاة على كاهل كل صاحب قلم حروجاد، من أجل إخراج “الأمةّ”، مما هي فيه من مقدمات ولواحق الانحطاط الحضاري، من أجل بناء صرح ثقافي، مكتمل الأركان، قابل لكل عوامل بلوغ الأمة لمنزلة العز الحضاري،بإذن المعزسبحانه.
بقلم:د.محمد الحفظاوي
أستاذ الدراسات الإسلامية بالكلية المتعددة التخصصات جامعة مولاي اسماعيل-الرشيدية/المغرب