عصر القلق
نعيش في هذا العصر أي عصر الحضارة والتمدن كل صنوف القلق والتوتر بطريقة لم تشهدها الانسانية في تاريخها الطويل .
بل أكاد أجزم أن هذا العصر وهذه الحضارة أو المدنية لا تهم التسمية هي من أسوأ العصور التي مرت على الانسانية لأنها قصرت خدمتها على الجانب الجسدي و أهملت الجانب الروحي الذي يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات ، وكان أحد إفرازات هذا القصور القلق الذي أدى بكثير من الناس خصوصاً في الغرب الكآبة والحزن والعزلة والتوتر الدائم بل وحتى إلى الانتحار، ولم يجدوا له حلاً غير تلك الحبوب المهد ئة، أو المهلوسات أو كل نوع من أنواع الإدمان ومنه إدمان مواقع التواصل الاجتماعي ، ولسان حال الناس يقول أن إنسان أرغب في الأنس والمؤانسة فالقلق يدمرني ، فتصبح تلك التصرفات علامة على ما آل إليه حال الناس من عزلة عن العالم الواقع ورغبة في التواصل والعيش بالفطرة وسط جموع البشر في حياة بحلوها ومرها تتدفق خلالها مشاعر البشرية الحقة التي من مظاهرها الاجتماع والتواد والتراحم وإظهار كل أنواع المشاعر المميزة للإنسانية .
حق لنا أن نسمي هذا العصر بعصر القلق ، القلق من أجل التفوق في كل شيء ، قلق بسبب انعدام الامن الناتج عن الحروب والفتن ، وقلق بسبب ضنك العيش وتوسع حياة الناس فيقلق الفقير على الاحتياجات الأساسية ويقلق الغني لأن له تصور معين حول التمكين فيزداد غنى بأن تزيد أمواله ولو على حساب راحته وصحته.
غابت راحة البال والطمأنينة عن القلوب والنفوس والبيوت ، فكل الفئات العمرية تعيش تحت سطوة القلق ، وكل الفئات الاجتماعية كبلها القلق والتوتر ، بسبب الماديات في زمن تغير فيه حتى لون القيم الروحية والأخلاقية والفردية والاجتماعية وطغت المادة واستولت الأنانية على النفوس.
ولم تسلم فئة أو طائفة أو شعب من أثار هذا القلق، فلقد عمت مظاهر القلق في بلاد المسلمين عندما قصر البعض منهم في أمور دينهم وعاشوا بعيداً عن ذكر الله تعالى وطاعت، وعندما فقد المسلم البوصلة وتاه عن سبيل معرفة سر الوجود والمصير تلبسه القلق لأنه يعيش في ظلام مدلهم بعد أن تشوهت معالم هذا السبيل ، والذي يحسن بنا في هذا المقام أن نذكر توصيف الشيخ الغزالي ( المتوفى سنة 1996 م ـــ 1416 هـ ) فيقول بأن التدين المغشوش قد يكون أنكى على الأمم من الإلحاد الصارخ ، بل إننا نلمس انتشار الإلحاد بين أبنائنا وبناتنا بعد أن استغرقت مواقع التواصل الاجتماعي الزمن لديهم دون رقيب فيبحثون عن الملهيات التي تمتص حالة التوتر والقلق التي أصبحت واقعا يعيشونه في سن مبكرة بسبب حالة التوهان التي تعيشها الاسرة والمجتمع المسلم كله .
فالقلق داء أصاب البشرية جمعاء ولم يفرق بين متدين وملحد ، وبين محافظ ومتفسخ ، فالكل ركب سفينة القلق ، فماهي الأسباب وماهي سبل العلاج ؟
فأما الأسباب سنذكر منها المهم :
أولا ضعف الوازع الديني وطغيان المادة في حياة الناس فضعف حبل الوصال مع الله ، المؤمن قوي الإيمان لايعرف القلق فهو يناجي ربه آناء الليل وأطراف النهار ، لا يكل ولا يمل لأن يسعى إلى ماهو أسمى فمناجاة الله في دنيا مجاورة له في الآخرة.
قال الله تعالى :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } النحل (97 )
يقول المفسرون بأن الحياة الطيبة هي الرزق الحسن ، والحياة الطيب معنى معاكس للقلق فمن هنا نبدأ لأن غياب الوازع الديني وضعف الايمان هو ابتعاد عن الفطرة ،ويقوى الإيمان بعمل الطاعات وترك المعاصي وقراءة القرآن وحضور مجالس الصالحين وحبهم والتفكر في خلق الله تعالى ، فالانسان مخلوق سماوي في غلاف من طين إن طغت شهوته على روحه انكشفت عورته فطغت عليه غرائزه فاستسلم للقلق ، ذلك أن الإيمان ستر .
ثانيا الخوف: والخوف هو مظهر خفي من مظاهر عصر القلق هذا ، لأنه عبارة عن برمجة للإنسان منذ أيامه الاولى على ظهر الأرض فيستسلم للمخاطر والوساوس وحديث النفس السلبي ، بسبب ضعف الايمان الذي يحدث خللا في بوصلة الوصال مع الخالق فيغيب حسن الظن به ويختفي اليقين ويزرع القلق في القلوب ، فيغادر النوم الجفون ، والطمأنينة النفس ، فهناك من يخاف الموت فيقلق لأجل ذلك
إما بسبب الفقد والخوف من الوحدة ، أو الخوف من الموت بسبب البعد عن الفهم الصحيح لحقيقة الموت فيكون الخوف من المصير المجهول الذي سيحصل معد مغادرة الروح للجسد ، ولو أيقن الانسان أن الآجال بيد خالقها ما حصل ذلك القلق، قال الله تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } الأعراف ( 34)
والبعض يخاف على الرزق ويصيبه الأرق وكأنه ما قرأ قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبيرًا بَصيرًا} الاسراء (30)
ولم يسمع قول الله عز وجل : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } هود ( 6)
حتى الطير في السماء يرزقها الله تعالى من غير حول وقوة منها ، يقول صلى الله عليه وسلم : «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً » رواه الترمذي
و هذا الحديث يبين فعلا معنى التسليم لله وحسن التوكل بعد السعي ولا يعني ذلك أن يجلس الإنسان في بيته ينتظر أن تمطر السماء ذهباً ، بل يسعى ويتخذ الاسباب امتثالاً لقوله تعالى : {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } الملك ( 15 ) ويتوكل على الله {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} الطلاق ( 3)
ثالثا المصائب والابتلاءات من موت قريب أو خسارة مالية أو مرض عضال أو حادث أو غير ذلك ، لكن المؤمن شأنه كله خير إن اصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً وجزاء الصبر أن الله يأجره ويعوضه خيراً مما أصابه. فيجب أن يعلم أن ذلك بقدر الله وقضائه ، وما قدّر الله سيكون لا محالة لو اجتمع أهل الأرض والسماء أن يردوه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. عندما ترسخ هذه العقيدة في نفس الإنسان فإنه يرضى وتكون المصيبة عليه برداً وتكون المحنة منحة ، ولقد شاهدنا أنه كم من مشكلة صارت بإنسان جعلت منه رجلاً قوياً صامداً وعلمته التحمل بعد أن كان في نعمة ورغد لا يتحمل شيئاً وغيرت من نظرته للحياة وأصبح سداً أمام المعضلات، لذلك فإن من أهم قواعد الرضا والبعد عن القلق التسليم ، والتسليم شق الايمان ومن غاب عن قلب التسليم استسلم للقلق ,
رابعا كثرة المعاصي والانحرافات في هذا العصر حتى أصبحت مقننة وسهلة المنال والنفس مع ضعفها تستسلم لها دون مقاومة فهي سبب كل بلاء في الدنيا والآخرة ، وهي سبب مباشر لحدوث القلق والاكتئاب ، قال الله تعالى : { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } النساء (79)
وقال تعالى :{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الروم ( 41)، والفساد الذي عم ليس فقط بسبب القلق بل لأن البعض يعتقد أن الطيش وارتكاب المعاصي ستزيل القلق وهي والله مفسدة أخرى أساسها الهوى وأساسها تلاعب الشيطان بالقلوب كمن يستجير من النار بالرمضاء.
خامسا الغفلة وهي غياب القلب عن نعيم الدنيا بالقرب من الله ومنه نعيم الآخرة فهذا مقدمة لذاك ، فالغفلة موت معنوي تجعل القلب يسبح بين ماض مؤلم ومستقبل مجهول ونذهل عن الحاضر فلا نخطط له ولا نعيش لحظاته وحين يعود القلب من الغفلة تتجاوزه الأحداث فيعيش القلق ويستسلم مسرعا في طريقه دون جدوى .
وإذا كانت هذه بعض أسباب القلق فما هي مخارجه وسبل تجاوزه والتشافي من آثاره على النفس ؟
أولى خطوات العلاج من القلق هي التغيير ، فالسلوك البشري ثابت ومتغير فالتغير سلوك القلق بالطمأنينة والثبات ونستلهم أدوات التغيير من قوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } الرعد (11)
ما بأنفسهم تعني أن التغيير ذاتي وأدواته ذاتية ومن أهم الادوات الذاتية في التغيير هو العقل والقلب بتغيير الافكار والمشاعر السلبية تماما كالخزانة تحتاج دوما إلى عملية فرز واستبدال وأهم الأفكار التي يجب أن تترسخ في العقول والقلوب وعلى أساسها يكون التغيير هي فقه سر الوجود والمصير والتسليم في والعمل لأجله.
ومن الأدوات العملية اليومية التي تجعل النفس تهدأ وتتشافى من الغفلة فتفكر وتتدبر أمرها في رحلة التغيير بين العقل والقلب هذه الوصفة العلاجية البسيطة
- الصلاة: قال الله تعالى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } البقرة ( 45) وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ويقول لبلال (أرحنا بالصلاة يا بلال) ، فالصلاة شفاء وطمأنينة وحضور للقلب الذي أن تقلب في غير بوصلته اضطرب وقلق وبوصلته الصلاة يتقلب فيها سجودا وركوعا فيكون تقلبه إذ ذاك ثباتا .
- قراءة القرآن : فهو ربيع القلوب الذي به تزهر وإن هجرها اسودت وتألمت حزنا وكمدا وتقلبت وفق بوصلة الهوى والشيطان، فلنقو صلتنا بهذا الكتاب العظيم ولنتدبر آياته ولا نكن ممن يهجره فهو نور الصدر وجلاء الأحزان وذهاب الهموم والغموم ، قال تعالى : { وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } الاسراء ( 82 )
- الدعاء : الدعاء ذكر والذكر مناجاة والمناجاة تواصل في الدنيا ومجاورة في الاخرة ، مناجاة من ومجاورة من ؟ مناجاة الله ومجاورته فأي مقام هذا ؟ فالدعاء إذا سلاح المؤمن الذي يتعبد الله به فمن كان له عند الله حاجة فليفزع إلى دعاء من بيد ملكوت كل شئ ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء الذي تكفل بإجابة الداعي. قال تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة ( 186)
- الذكر : وهو أنس للمؤمن من وحشة الدنيا وشهواتها ، وهو طارد لشيطان يعمل على استقامة القلب وتوجهه نحو ربه ، هو تعبير عن سلامة الفطرة به تطمئن النفس وتهدأ ، وللذكر مواسم وأوقات لو استغلها العبد لوجد أن خواطره ذكرا وحديث النفس ذكر ، ومن الذكر الاستغفار وللاستغفار عجائب ، تقترن براحة البال والرزق والسكينة وتفريج الكرب ، ومن ذكر الله في ملا ذكره الله في ملإ أعلى وأرقى وأكثر سموا فيتعلق القلب بالسمو فلا يتقلب في القلق.
- العمل الصالح : وهو كل ما استقام من العمل وكان خالصا لله فأول أسسه اخلاص النية والتسليم لله ، وثاني أسسه هو أن يوافق الشرع قال تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ} سورة مريم (60)
فصرف القلوب نحو العمل الصالح يجعل مشاعر العطاء والحب هي الخواطر التي تتحدث بها القلوب ، وتجعل الابداع بوصلة للعقل فيبدع في الصلاح والاصلاح ، فمن كان يطلب عزة في الدنيا فبالعمل الصالح لله والى الله ، فمن اعتز بغير الله ذلته الخلائق ، ومن اعتز بالله ارتفع شأنه وعلا ذكره في الدنيا والآخرة ، فالعمل الصالح هو الوقت في الصلاح والوقت عمر العبد وفائت الأعمار لا يعود، قال تعالى : {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبر }
الاستاذة عتيقة نابتي