بين التحدي والاستجابة في بلاد المهجر – حوار مع -غالية زكور-أخصائية القلب. حاورتها أ.ليلى جوادي
التميز الصبر التضحية التحدي… الأسس التي بنيتُ عليها حياتي.
هكذا بدأت الدكتورة-غالية زكور-حوارها معي.
غالية زكور، من مواليد باتنة، كانت تلميذة نجيبة وابنة صالحة ومواطنة وفية، درست الطب في باتنة ثم تزوجت من زميلها الدكتور جمال بورنان من توقرت هذا الرجل الذي كان السند ورجل الخفاء وراء النجاح الذي حققته الدكتورة غالية في مختلف المجالات: زوجة، أم، ربّة بيت، طبيبة متخصصة، ناشطة اجتماعية ودعوية في بلاد المهجر، حيث كان لها الفضل في تأسيس المنظمات الإسلامية في فرنسا خاصة، وغير ذلك.
1-بين الفكرة والإنجاز:
وتقول الدكتورة غالية –أخصائية أمراض القلب بمدينة من مدن فرنسا-: “ربتني امرأة-رحمها الله- كانت من خيرة النساء وأحسنهن فأحسنت تربيتي (والدي كان بعيدا بسبب مكان عمله) حيث كانت تأخذني مسافة طويلة إلى المدرسة لأنها لم تكن قريبة للمنزل مثلما نرى المدارس اليوم، لم تكل ولم تمل يوما، لكن شرطها الوحيد كان: أن أكون الأولى؛ نعم الأولى في كل شيء.
كان مشروع الطب دائما في تفكيري وكنت أقول لأمي ألبسيني مئزرا أبيضا حتى أكون طبيبة، وكانت أمي تقول: ابنتي ستكون طبيبة تعالج الفقير قبل الغني، فكانت هذه الجملة الدافع الأساس لاتخاذ الطب مجال دراسة وعلم وعمل”.
تقول غالية: “كانت طفولتي صعبة نوعا ما ولم تكن على ما هو عليه الحال اليوم مع أولادنا وأحفادنا، لم يكن كل شيء متوفر، يكفي أن المدرسة كانت بعيدة عن البيت ما يجعلني أنهض باكرا حتى لا أتأخر، فقد كنا نرى الحضور بعد دخول المعلم عيبا ولا نستطيع فعله هيبة واحتراما وخوفا.
بالرغم من ذلك: كنتُ دائما متميزة وكنت الأولى كما أرادتني أمي-رحمها الله-دائما، وعندما وصلتُ المرحلة الثانوية كنتُ أشارك في مسابقة بين الثانويات وكنت دائما أفوز.
تخصصتُ في الطب ثم تزوجت وانتقلت رفقة زوجي لمدينته: توقرت، وعملت هناك عاما ثم سافرنا إلى فرنسا سنة 1988”.
2-من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة “ابن عطاء الله السكندري”:
وعن سؤالي لها: كيف كانت الحياة في فرنسا في سنواتكم الأولى؟
تقول الدكتورة: “كانت بسيطة للغاية ولا تتخيلي أننا سكننا القصور والبيوت الفخمة في البداية ولم نكن نجد اللقمة بسهولة لكن كنا نتحمل ذلك لأننا آمنا أن ملء العقول أولى من ملء البطون.
من حسن حظنا أننا بوصولنا كانت قد أُنشئت جمعية أنشئها الطلبة هنا في فرنسا فاستقطبونا ورحبوا بنا في المسجد، تعلمنا الدين والقرآن والعمل الخيري في المسجد والجمعية.
كنتُ أدرُس الطب وفي نفس الوقت ربّة بيت وزوجة وفي السنوات الخمسة رزقت بأربعة أطفال”.
3-التحديات وتحقيق الأهداف:
هنا خطر ببالي سؤال: دكتورة كيف استطعت التوفيق بين كل هذا؟ وما هي التحديات التي واجهتك كامرأة أمام تحقيق ما ذهبتِ لأجله؟
ترد قائلة: “من المؤكد أنني واجهت صعوبات والأكثر من ذلك تحديات كانت تعيق وصولي لما أردت، لكن العزيمة والإصرار وقبل ذلك الإيمان بالله والإيمان بهدفي الذي تركت أهلي وبلدي لأجله جعلني أصمد وأكمل المسيرة، فمن بين ما حدث لي أني مرة كنت في المستشفى الجامعي بحجابي فاستغربت مني أحد الفرنسيات قائلة: هل توجد طبيبات نساء في الجزائر؟ ذلك أنهم كانوا يظنون أن المرأة الجزائرية انتهت مع الاستعمار حيث أنهم يروننا دولا متخلفة.
كما أتذكر أنني عندما أردت التخصص في أمراض القلب كنت حاملا فقال لي أحد الأطباء: تخصصي في شيء سهل حتى تتفرغي لبيتك وحملك.
فكان هذا الكلام دافعا لي لأثبت أن الحجاب، الزواج، الأمومة ليسوا عوائق أمام المرأة بل العائق الوحيد هو فقدان الإرادة والهدف”.
هذا الكلام دفعني لسؤال آخر: كيف حافظتِ على الحجاب والصلاة والدين بشكل عام في مجتمع متفتح يمنع الحجاب في المؤسسات العامة؟
ترد قائلة: “يكفي أنني في مرة من المرات كنا في العمل وكان بيننا طبيب مسلم يشرب الخمر والعياذ بالله ولا يحترم دينه قالت عنه ممرضة فرنسية: -لن نحترم فلان لأنه لا يحترم دينه- فنزل عليّ هذا الكلام كالصاعقة لأني لم أرد من الزميل الفعل ولا من الممرضة التعليق لكنها الحقيقة، كان هذا دافعا نفسيا لي حتى أتمسك بديني أكثر لربما أكون سببا للغير للدخول في الإسلام.
ومن الأمور التي أتذكرها ورأيتُ عطاء الله فيه أنني ذهبت للحج قبل الامتحان النهائي ولم أراجع إلا قليلا، وكنت متوكلة على الله تماما في مصيري ومن حسن حظي أن الامتحان كان من الجزء البسيط الذي راجعته ونجحت بمعدل ممتاز وكنت كالعادة من الأوائل فتذكرت قول الله تعالى: “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” {الطلاق:2-3}”.
4-تربية الأولاد بين الدوافع والعوائق:
سؤالي لك الآن دكتورة هو عن التحديات التي صادفتك في تربية أولادك؛ كيف استطعت أن تكوني أما، ربة بيت، طبيبة مختصة في تخصص دقيق مثل أمراض القلب، كل هذا وأن تكوني أما مثالية لخمسة أطفال في المهجر تحديدا في فرنسا!؟
تقول: “الحمد لله الذي وفقني ليكون عندي أجمل وأحسن أولاد ويكفيني قولا أن ابني الكبير حفظ القرآن الكريم بثلاث قراءات: حفص، ورش، قالون-تحضيرا للإجازة فيها- ويصلي بالناس في مسجد بمدينة فرنسية، هذا إلى جانب عمله كطبيب متخصص في القلب كذلك، وعلى ذلك النهج سار جميع إخوته، فكلهم درسوا وتخصصوا في مختلف العلوم ولم يمنعهم ذلك من حفظ القرآن ولا تعلم أمور دينهم، بل بالعكس العلوم علمتهم الاعتماد على الذات والتحلي بالأخلاق الكريمة، وبمفهوم المخالفة تركوا كل ما ليس أخلاقي من احتكاكهم وقراءاتهم وسفرهم، فالسفر يعلم الإنسان الأمور الحسنة ويجعله يبتعد تلقائيا عن الأمور السيئة-طبعا كلامي هنا عن الشخص السوي-، أما قولك بلاد المهجر: فالإنسان هو من يختار أين يضع نفسه سواء في بلاده أو بلاد غيره، لكن ذلك لا يعني أننا لم نعان من بعض الأمور التي أثقلت علينا أيامنا، وحتى لا أطيل سأذكر أمرا واحدا وهو أنه في يوم من الأيام كانت حبوب منع الحمل توزع للتلاميذ في المدارس وهذه كانت إشارة مرعبة لنا كمسلمين وكآباء، لكن الوعي وعلاقة الأهل بأبنائهم تصنع الفارق في مثل هذه المواقف، فما أنصح به الأسر والوالدين هو أن يشكلوا جسرا من التواصل مع أولادهم، أن لا يكون الأب فقط-أموال- ينفقها وأن لا تكون الأم مجرد حضن وحنان دون رقابة؛ وفي المقابل لا أعني أن يكون أحدهما جلادا ينتظر وقوع الأبناء في الخطأ لعقابه، بل أن يكون هناك تواصل ومساحة حرية بينهم أعني بين الآباء والأبناء حتى لا يضطر الابن لإخفاء الأمور الحقيقية والكذب حتى تحدث المشكلة.
الصراحة، الرقابة والتربية السليمة كانت عونا لي على إنشاء أبنائي والوصول بهم لما هم عليه اليوم، وقبل ذلك الإخلاص؛ نعم، الإخلاص في تربيتهم والمراد بذلك أن تجعلهم وقفا لله والمجتمع وأن ترجو فيهم أن يكونوا بذرة صالحة تصلح في الأرض وتبلغ رسالة الإسلام والإنسانية للعالم، وأن يكون كل ما تنفقه عليهم من مال وجهد ووقت ابتغاء رضى الله وفقط، هنا ستكون الرعاية الإلهية ويعينك الله على الوصول لما تريده وتحققه بأكثر ما تمنيته وخططت له يوما”.
وفي ختام هذه المقابلة مع الدكتورة “غالية زكور بورنان” يمكننا أن ننمذج الاستراتيجيات التالية:
-التحدي والاستجابة في الحياة.
-القدوة والحوار في التربية.
-الإيمان والعمل والأمل؛ ثلاثية نجاح.
ولعل أكثر شيء نستفيده من هذه التجربة ومن حياة هذه المرأة العظيمة أن الدراسة ليست عائقا أمام الزواج والعمل ليس عائقا لتربية الأولاد، وبلاد الغرب ليست عائقا أمام الصلاح والإصلاح، والمؤمن كالغيث أينما وقع نفع، فقط التفاهم والرؤية والهدف نقاط يجب حسمها قبل التفكير في الزواج وتربية الأطفال، وأنا أقول إذا كان ذلك ممكنا في بلاد غربية فكيف بنا نحن في بلاد إسلامية.