حصريا

تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية-د.ايمان سلاوي-المغرب-

0 2٬418

بسم الله الرحمن الرحيم

تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية

الدكتورة إيمان سلاوي

تشهد الآونة الأخيرة عواصف شتى تتهدد العلاقات الأسرية، فما ارتفاع نسب الطلاق، وكثرة مشاهد السكتة القلبية المفاجأة للعلاقات الزوجية، وتفاقم ظاهرة الطلاق العاطفي، كل ذلك ليس إلا دليلا على حاجة أسرنا للتوجيه والتحصين حتى ترقى إلى ما نصبو إليه ونرجوه كمجتمع مسلم يعرض قيمه للعالم ليبشر بها ويدعو الناس لمعرفة رب العباد من خلال نجاح أهم نواة فيه وهي نواة الأسرة.

والحديث عن تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية من أهم مداخل الإرشاد المنشودة لإصلاح الأسرة وضمان تماسكها، والمتأمل لواقع الأسر المسلمة يلاحظ أنها تفتقد الكثير من التأهيل الذي يمكنها من تخطي هذا التحدي الذي يعتبر تحديا مجتمعيا قبل أن يكون أسريا، فالمجتمع الذي لا يستطيع تدبير الاختلاف السياسي، وتدبير حواره المجتمعي، وتدبير الاختلاف بين الساهرين على الشأن العام، هو نفسه الذي تم تخريجه من  مؤسسة الأسرة وفي ظلها بدأت مسيرة فشله، والعلاقة في ذلك جدلية إذ الفشل المجتمعي في تدبير الاختلاف يؤثر حتما على شخصية الأفراد في مدى تمكنهم من مهارة تدبير الاختلاف عموما.

كثيرا ما نجد أسهل الحلول لمواجهة الاختلاف في العلاقة الزوجية تنازل أحد الزوجين الدائم عن رأيه وذوقه ورغبته، مقابل عناد شديد من الطرف الآخر مما قد يترتب عنه آثار وخيمة، قد تبقى مسكوتا عنها إلى أن تنفجر الحياة الأسرية انفجارا قد يأتي على الأخضر واليابس، ويحول الهدوء الموهوم إلى نهاية مريعة للعلاقة الزوجية عاجلا أو آجلا.

السؤال ونحن نتدارس قضية تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية، هو ما هو التصرف المناسب حينما يصل الأمر إلى استحالة التوافق والتفاوض؟ ما العمل حينما نكون بين المطرقة والسندان للحفاظ على أسرنا؟

كيف نتصرف أمام ظاهرة العناد المتواصل؟ هل التنازل دائما خيار سليم؟ وهل نقابل العناد بالعناد؟ كيف نضمن الأمان للعلاقة الأسرية؟

هي قضية فرعية في موضوع تدبير الاختلاف، ولكنها جوهر يرخي بظلاله على تفاصيل أخرى كثيرة، فمقابلة العناد بالعناد يعني تحويل الحياة الاسرية إلى جحيم لا يطاق، ومقابلة العناد بالتنازل يعني القضاء على شخصية الطرف المتنازل، وتضييع فرصة الاستفادة من إمكاناته ومهاراته في الارتقاء بالأسرة، كما يترتب على ذلك إعادة إنتاج نماذج مشوهة في مدى قدرتها التواصلية.

إذا تأملنا العبارات الدالة على العلاقة الزوجية في القرآن الكريم نجدها تعكس مدى التوافق والانصهار والتطاوع، فتارة يعبر عنها بالميثاق الغليظ قال تعالى: ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) [النساء: 21]، هذا الميثاق الذي تضمن به كرامة الطرفين، ويتحقق بفضله السكن، والاستقرار النفسي للزوجين، وتارة يعبر عنه بلفظ اللباس ( هن لباس لكم و أنتم لباس لهن ) [البقرة: 187]، بما فيه من إيحاء بالاطمئنان بحيث يشعر اللابس أنه في مأمن من الحر أو البرد أو نظرة استصغار من الناظرين إليه، وكذلك يحمي الزوجين بعضهما من كل سوء مادي أو نفسي يمس أحدهما، ويظهر أحدهما الآخر بالصورة التي تستر عيبه وتزين مظهره بين الناس، وتارة يصف العلاقة بالإفضاء ( وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) [النساء: 21]، وفي الإفضاء ما فيه من معاني الثقة والتقدير والاعتزاز بنظر الطرف المفضى إليه.

فما هي الضمانات التي تحمي من الوقوع في منزلق سوء تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية:

1 – التربية على التطاوع والمرونة والتحرر من مظاهر الاعتداد بالرأي:

وهذه الضمانة متعلقة بالتنشئة التي نراهن عليها لإنتاج زوج و زوجة قادرين على التواصل الجيد وتدبير الاختلاف، وهي واحدة من أهم ملامح الشخصية الإسلامية السوية؛ انظر منهج القرآن الكريم في تربية نبيه صلى الله عليه وسلم في مخاطبة المشركين، قال تعالى: ( قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) [سبأ: 24]، فرغم يقينه في صدق عقيدته وفساد عقيدتهم، علمه منهج الحوار القائم على تقبل حق الأطراف جميعا في البحث عن الحق والصواب الموجود عند أحدهما، والذي سيصلان إليه متى ما احتكما للمنطق، وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم تقديم هذا التطاوع والتنازل المحمود فيما لا مخرج منه لكثرة الجدل بصدده، فقال  صلى الله عليه وسلم: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا” [رواه أبو داود]، ومن المطلوب  جعل الأبناء يشهدون هذا التطاوع المتبادل بين الأبوين، حتى يتعلموا ويتربوا على هذه القيمة، والفرق كبير وشاسع بين المرونة والتطاوع والتغافل أحيانا، وبين التنازل الدائم الذي يجعل طرفا في الأسرة يستأسد على حساب طرف آخر تلغى شخصيته وتذوب ولا يبقى لها مقام ولا يحترم لها رأي، فالتطاوع تنازل واع عن المطلب أو الرأي أو الموقف تترتب عنه مصالح جمة دون أن يفقد الطرف المتنازل هيبته ومكانته وقدرته على التمسك برأيه في ظروف أخرى.

2 – التقدير المتبادل بين الزوجين:

و هذا التقدير لا يأتي من فراغ، إنما هو نتيجة للوعي بتمام القيمة الإنسانية لكل طرف، هذا المعنى الذي عززه القرآن الكريم في آيات عدة، قال تعالى: ( خلقكم من نفس واحدة)  [سورة الزمر: 6]، وقال  أيضا: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) [الروم: 21]، وقال كذلك: ( بعضكم من بعض ) [آل عمران: 195]، فالمتدبر لهذه الآيات يلاحظ أنها تعزز عند الجنسين إيمانا عميقا بمبدأ المساواة في القيمة الإنسانية، الشيء ينتج عنه عظيم الاحترام والتقدير من كل طرف اتجاه الآخر، ويعمق الإحساس بالحاجة إلى الطرف الآخر لأنه شريك مكمل لا تستقيم الحياة إلا بوجوده ، ولا يستقيم الاستهانة برأيه ولا بدوره، هذه القناعة من شأنها أن تحمينا من واحد من أهم الأسباب المؤدية للعناد، القائمة على تصور العنيد أنه الأكثر فهما وقدرة على اختيار الرأي السليم، و الأكمل إنسانية، ويمكن أن يحصل هذا الانحراف من الرجل  كما يمكن أن يحصل من المرأة، وهذا التقدير هو الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل عند رأي خديجة  رضي الله عنها في نزول الوحي، ويذهب معها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ثقة منه في رأيها ونظرها، وهو الذي جعله صلى الله عليه وسلم ينزل عند رأي أم سلمة في صلح الحديبية، حينما أشارت عليه بالبدء في حلق شعر رأسه لما لم يكترث الصحابة لأمره لهم بحلق رؤوسهم استعدادا للعودة إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية…

وهذا التقدير ينتج أيضا عن تقدير الوظائف والأدوار التي يقوم بها كل طرف باعتباره شريكا في مؤسسة الزواج، بغض النظر عن طبيعة هذه الوظائف التي أصابها ما أصابها من التنوع والتغير بالنظر إلى التحولات الاجتماعية العميقة أو بفعل البيئات المتقلبة والمختلفة، فكل ما يقدمه أي طرف يستلزم التقدير ولا يجوز استصغاره أيا كانت طبيعته: (عمل خارج البيت، عمل داخل البيت، إرضاع، تتبع للأبناء، ربط علاقات تستفيد منها الأسرة، خلق، تعزيز للموارد المالية للأسرة ….)

ثم ينتج التقدير أيضا عن الوفاء للتضحيات التي يقدمها أحد الطرفين، فيكون في عطائه فضل زائد ولو في مرحلة منتهية، فيحفظ الفضل لأهله ويسود الاحترام بين الزوجين لفضل كل منهما، وما أخلاق وفاء الرسول صلى الله عليه وسلم التي سجلتها السيرة النبوية اتجاه خديجة رضي الله عنها إلا نموذجا للتقدير الذي ننشد، فكلما زاد تقدير الزوج أو الزوجة لتضحيات شريكه كلما حصنهما هذا الشعور من سوء تدبير الاختلاف، وكلما ساهم ذلك في تحقق الحوارات الناجحة والبانية في الأسرة.

3الرحمة والحب:

في كثير من الأحيان ينوب القلب عن العقل في إدارة بعض الاختلافات بين الزوجين، فلا يلبث الأمر أن يأخذ حجمه الصغير الذي لا يمكن أن يهدد علاقة تحتل فيها المودة والرحمة مساحة تتصدر المشاعر الجامعة بين الطرفين، فالرحمة والحب بهما واجه الرسول صلى الله عليه وسلم غيرة عائشة، وبهما اجتاز حادثة الإفك بسلام و عافية، فانظر كيف استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتريث ولا يصدر حكما، شهر بأكمله وعائشة رضي الله عنها في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تشعر بشيء من حديث الإفك، ولم يشوش عليها إلا أنه ألم بها ألم ولم تجد من الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانت تعرفه منه من لطف حين وجعها، وانه كان يسأل بعد أن يسلم: كيف تيكم ثم ينصرف، وبعد أن علمت بما يتحدث به الناس طلبت الذهاب إلى بيت أبيها، إلى أن أوحى إليه الله عز وجل في شأنها، فتروي عائشة: فكانت أول كلمة تكلم بها وهو يضحك: يا عائشة  أما والله فقد برأك.

وتحقق هذا الأساس العظيم في العلاقة الزوجية هو صمام أمان كبير يحمي من كل العواصف، وأعتقد أن كل الأحكام والتشريعات والتوجيهات المتعلقة بالعلاقة بين الزوجين في الإسلام، غايتها تثبيت هذا المبدأ الأساس الذي هيأ الله تعالى الزوجين لاستشعاره والتمتع به لقوله تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة) [الروم: 21].

4الحوار والتشاور:

ولو سادت هذه القيمة في حياتنا لكانت تدريبا حقيقيا على فهم الآخر، ولساد الإيمان بحق الجميع في إبداء الرأي وإظهاره، ولما احتاج الناس إلى التعنت والتوتر، لأن الكل واثق في حقه في إظهار رأيه والإقناع به، والقرآن الكريم يوجهنا إلى أهمية التشاور في أدق التفاصيل، انظر مثلا قوله تعالى: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) [البقرة: 233]، وفي الحديث: ” آمروا النساء في بناتهن[ “رواه أبو داود]، فالحوار يعلم الإنصات، ويخرج الشخص من منطلق ظاهرة العناد، يقول الدكتور راشد السهل: أستاذ علم النفس: ” التشاور يجمع القلوب ويزكي النفوس، و تكون القرارات أكثر قوة وحكمة، و يعطي شعورا جماعيا بالتقدير والاحترام”،  الشيء الذي يخفف من حدة التوترات ويسهم في تدبير الاختلاف في انسيابية وتلقائية.

5الفهم السليم للحقوق والواجبات في ظل أعراف المجتمع وثقافته:

وهذه من أخطر القضايا المسببة للنزاع في العلاقة الزوجية، خاصة مع تأثير التحولات الاجتماعية والثقافة العصرية على نظرة كل من الرجل والمرأة لحقوق كل طرف وواجباته، لذلك نحتاج إلى إعادة بناء التوافق حول مفهوم الحقوق والواجبات الزوجية، وفق مرجعية موحدة تراعي تنوع بنيات المجتمع وتنوع مشاربه الثقافية ووضعيات مكونات الأسرة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية، فالحقوق والواجبات في ظل عمل الزوجين يجب أن تكون لها مميزات فارقة عن الحقوق والواجبات في ظل تفرغ الزوجة لرعاية البيت والأبناء، والحقوق والواجبات في حال طبيعة التشارك في الإنفاق أو عدمه يجب أن تؤخذ فيها بعين الاعتبار هذه المعطيات. وفي نفس الوقت لا بد من مراعاة ثقافة المجتمع ونظرته المتوارثة لحقوق وواجبات الزوجية، كل ذلك لا يمكن أن يتأتى إلا باعتماد خلاصات البحث العلمي التي يمكن أن تنبني عليها ترسانة قانونية مواكبة للمستجدات الثقافية، ومجددة للنظر والفكر ولو على مدى بعيد. وإلى حين تحقق ذلك، على الزوجين التحلي بقدر كبير من الوعي والفقه والحكمة للتوافق حول الحقوق والواجبات المستحقة لكل طرف دون إغفال لما ترسب في المجتمع من مسلمات لا يمكن التحرر منها بين ليلة وضحاها.

الخلاصة: في كثير من الأحيان و في غياب هذه الشروط التأهيلية لتدبير الاختلاف التي تحدثنا عنها، قد نجد العناد المتبادل أو التنازل المستمر أقرب الحلول لفض التنازع أو لحل المشكلات التي تعترض طريق الزوجين، وقد يبدو للبعض أن الحال لا خطر فيه، وأن الأسرة لا خوف عليها مادامت قد دبرت خلافاتها بعيدا عن الفراق أو الصدام الذي يصل صداه للآخرين، والحقيقة أن التنازل الدائم من أحد الطرفين كحل  للخلافات الزوجية هو اختيار غير آمن العواقب، ولا نأمن أن يضمن لنا سلامة وعافية العلاقة الزوجية والأسرية إن لم يكن عاجلا فآجلا على الأقل، لأن التنازل الدائم غير المعقلن سيعزز الشخصية العنيدة في الطرف الآخر، كما سيعطل طاقة الشريك المتنازل عن المشاركة الفاعلة  في بناء العلاقة الزوجية، فالتنازل الدائم انسحاب من فرص تأهيل الشريك لاتخاذ القرارات المناسبة، ويمنع من التدافع الإيجابي الذي يجعلنا نميل إلى الصواب، والتنازل بصورة مستمرة في أي علاقة إنسانية هو اضطراب و تضييع لفرصة التلاقح الإنساني الذي يعطي للاختلاف جمالية تظهر في التنوع والتأثر المتبادل، كما أن من شأنه أن يعطي صورة سيئة للأبناء عن نموذج التواصل المنشود، ينضاف لكل ما ذكر أنه يعزز نزوع العنيد للتشبث بعناده، لكن – واقعيا- قد يكون بعض التنازل المقدر بقدره سبيلا لحفظ الأسرة بشروط نذكر منها:

  • – أن لا يكون أصلا دائما وفي كل الخلافات.
  • – أن يكون فعلا واعيا وغير نابع من خوف أو ضعف للثقة في النفس أو الرأي.
  • – أن يكون تنازلا في قضايا ثانوية وغير مفصلية في تدبير الحياة الأسرية، فلا تنازل عن حق الإنسان في ممارسة الطاعة والشعائر المفروضة “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، ولا تنازل في موضوع الكرامة، ولا تنازل في قضية حفظ الحقوق المكفولة شرعا: الذمة المالية وتوثيق الممتلكات، لا تنازل فيما إذا تحمله الإنسان سيؤدي إلى ضرر نفسي أو بدني للشخص المتنازل.
  • – أن يقتنص المتنازل الفرص لبيان أن موقفه كان من باب التغافل وتقريب الهوة بين الأطراف.

وختاما يبقى هذا الحديث محتاجا لتفصيل حسب نوع الاختلاف أو الخلاف الزوجي، وهو من القضايا التي تمتد علاقاتها بمعطيات يصعب اختزالها في توجيهات عامة، ولكن لا بد من استحضار حاجتنا للتأهيل والتأطير المبكر للناشئة حتى تكون في المستوى المطلوب لتدبير اختلافاتها المنتظر، ولا بد من اقتناص الفرص للتدرب على الحوار وتبادل الرأي، ولا شك أن حضور الدورات التدريبية في موضوع تجويد العلاقات الأسرية لا يقل أهمية عن الرهان الأساس وهو تقديم الأبوين للنموذج في موضوع تدبير الاختلاف في العلاقة الزوجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page