حصريا

“سيداو” في ميزان الشريعة والمجتمع – د. هبة جمال جاد -مصر-

0 222

سيداو في ميزان الشريعة والمجتمع

 

تعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو – CEDAW)، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية جدلاً في العالم الإسلامي، بينما تصور على أنها شرعت حقوق المرأة الدولية، تثير بنود هذه الاتفاقية إشكاليات عميقة مع القيم الإسلامية والأطر الأسرية التقليدية.

أولاً: النشأة والأهداف: السياق التاريخي لاتفاقية سيداو

وقعت الاتفاقية في 18 ديسمبر 1979، ودخلت حيز التنفيذ في 3 سبتمبر 1981، وصادقت عليها 189 دولة، بينها دول إسلامية كثيرة ولكن بتحفظات، تهدف الاتفاقية إلى القضاء على التمييز ضد المرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية .

  • هيكل ومحتوى الاتفاقية:
  • الجزء الأول (المواد 1-6): يركز على تعريف التمييز ومكافحة الاتجار بالنساء.
  • الجزء الثاني (المواد 7-9): يتعلق بالمشاركة السياسية والحق في الجنسية.
  • الجزء الثالث (المواد 10-14): يغطي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع تركيز خاص على المرأة الريفية.
  • الجزء الرابع (المواد 15-16): يتناول المساواة في الحياة الأسرية والزواج.
  • الجزء الخامس والسادس (المواد 17-30): يختصان بآليات المتابعة والتطبيق .

تُعد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) من أبرز المواثيق الدولية التي سعت إلى وضع إطار شامل لضمان المساواة الكاملة بين الجنسين، إذ لم تقتصر على الجانب النظري لتعريف التمييز، بل وضعت آليات للمتابعة والتنفيذ، ومع أن الاتفاقية حظيت بقبول واسع على المستوى الدولي، فإن العديد من الدول الإسلامية والعربية أبدت تحفظاتها على بعض المواد التي رأت أنها تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية أو خصوصيتها الثقافية، وهذا التباين بين القبول والتحفظ يعكس طبيعة التفاعل بين القوانين الدولية والمرجعيات الدينية والوطنية في العالم الإسلامي([1]).

ثانيًا: إشكالية التصادم مع الثوابت الإسلامية

الاتفاقية تحتوي على بنود تتعارض مع الشريعة الإسلامية، مما دفع العديد من الدول الإسلامية إلى التحفظ عليها، ومن أبرز هذه البنود:

  • المساواة المطلقة في الميراث، حيث تنص المادة 13 على المساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الميراث، وهذا يتعارض مع النصوص القرآنية الصريحة في توزيع الأنصبة ومنها ما ورد في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾([2]).
  • إلغاء ولاية الرجل في الزواج: إن المادة 16 تنص على نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه، بما في ذلك حق المرأة في اختيار الزوج دون قيود، وهذا يلغى مفهوم الولي في الزواج، الذي أجمعت عليه المذاهب الإسلامية، فالإسلام بنى الأسرة على التكامل في المسؤوليات لا على الصراع أو التماثل المطلق، قال رسول الله ﷺ: “أَلا كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإِمامُ الذي علَى النَّاسِ راعٍ، وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ وهي مَسْئُولَةٌ عنْهمْ”([3]) (صحيح البخاري: 7137)، وقد ناقش عواودة (2021) هذه المادة بعمق في ضوء مقاصد الشريعة، مبينًا أنها تمثل تعارضًا صريحًا مع مقاصد حفظ النسل والأسرة، وتؤدي إلى إضعاف البنية الأسرية الإسلامية([4]).
  • التماثل في الأدوار الأسرية: تطالب المادة 5 بتغيير الأدوار النمطية للرجل والمرأة في الأسرة والمجتمع، وهذا يتناقض مع التكامل في الأدوار الذي تؤكده الشريعة، حيث يقول تعالى: ﴿…وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى …﴾([5]).
  • الحقوق الإنجابية والمثلية: تشجع الاتفاقية على الحقوق الإنجابية التي قد تشمل الإجهاض وتنظيم الأسرة بطرق تتعارض مع القيم الإسلامية، كما أن بعض التفسيرات توسع نطاقها لحماية العلاقات المثلية .

ثالثًا: التحديات الغربية- اختراق النسيج الاجتماعي الإسلامي

تُستخدم الاتفاقية كأداة ضغط على الدول الإسلامية لتغيير تشريعاتها الأسرية تحت شعار الحماية الدولية لحقوق المرأة، ومن أبرز هذه التحديات:

  • العولمة الثقافية: تهدف إلى فرض النموذج الغربي في العلاقات الأسرية، الذي يقوم على الفردية بدلاً من القيم الجماعية .
  • التمويل المشروط: تربط الدول الغربية بين المساعدات الاقتصادية وتطبيق بنود سيداو، كما يحدث في تمويل الجمعيات النسوية المحلية .
  • تغيير المناهج التعليمية: تطالب الاتفاقية بتعديل المناهج لتعزيز المساواة الجندرية، مما قد يؤدي إلى طمس الهوية الإسلامية .

رابعًا: الموقف الإسلامي: بين الحقوق المشروعة والانحراف الفكري

الإسلام سبق الجميع في منح المرأة حقوقها، لكن في إطار من القيم والتوازنات الأسرية. المواقف من سيداو يمكن تقسيمها إلى:

  • موقف رافض: تعتبرها بعض التيارات الفكرية أداة للتأثير على البنية القيمية الإسلامية، وتستهدف تفكيك الأسرة المسلمة .
  • موقف متحفظ: يقبل بعض البنود التي لا تتعارض مع الشريعة، مثل مكافحة الاتجار بالنساء والتعليم، لكنه يتحفظ على البنود المخالفة للإسلام .
  • موقف داعم: تتبناه نخب علمانية، ترى في الاتفاقية سبيلاً لتحديث المجتمع .

جدول يلخص أوجه التعارض بين سيداو والشريعة الإسلامية

البند في سيداو

 

المطلب الأساسي

 

التعارض مع الشريعة

 

المادة 5 تغيير الأدوار النمطية للجنسين يتعارض مع التكامل في الأدوار الأسرية
المادة 13 المساواة في الميراث يخالف النصوص القرآنية الصريحة
المادة 16 المساواة في الزواج والطلاق يلغي ولاية الرجل ويهدد كيان الأسرة
المادة 10 التعليم المختلط قد يؤدي إلى انتهاك حدود الاختلاط

خامسًا: بديل إسلامي – نحو تعزيز مكانة المرأة دون تفكيك الأسرة

البديل الإسلامي لسيداو يقوم على:

  • التأصيل الشرعي: الرجوع إلى نصوص القرآن والسنة التي كرمت المرأة كـ(أم، أخت، زوجة، ابنة)، ومنحتها حقوقاً لم تحصل عليها في الحضارات الأخرى .
  • التكامل بديلاً عن التماثل: الاعتراف بالاختلافات الطبيعية بين الرجل والمرأة، وتوظيفها في بناء أسرة متوازنة .
  • حماية المرأة من الاستغلال: مكافحة الاتجار بالنساء والعنف ضدهن، لكن في إطار القيم الإسلامية وليس النموذج الغربي .
  • تمكين اقتصادي منضبط: تشجيع تعليم المرأة وعملها في المجالات المناسبة لفطرتها، دون إهمال دورها الأسري .

وفي الأخير يتبين أن اتفاقية سيداو أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الإسلامية لما تتضمنه من بنود تتعارض مع المرجعية الشرعية، لكنها أيضاً فرصة لإبراز البديل الإسلامي الأصيل الذي يجمع بين كرامة المرأة واستقرار الأسرة، وعليه يجب على الأمة:

  • تطوير آليات حماية للمرأة منبثقة من الشريعة الإسلامية.
  • تفعيل الأدوار الرقابية للجمعيات الأهلية المحلية.
  • تقديم النموذج الإسلامي في المحافل الدولية بلغة عصرية.

مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾([6]).

وعليه، فإن التعامل مع اتفاقية سيداو ينبغي أن يقوم على الجمع بين الانفتاح على القيم الإنسانية المشتركة والتمسك بالثوابت الإسلامية التي تحفظ للأسرة مكانتها، مع النظر في ضرورة صياغة اتفاقية إسلامية بديلة تُعرض في المحافل الدولية لتعكس الرؤية الشرعية الأصيلة لحقوق المرأة والأسرة.

([1])  الأمم المتحدة، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، 1979.

([2])  النساء: 11.

([3])  البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، دار التأصيل – مركز البحوث وتقنية المعلومات، المجلد التاسع، الطبعة الأولى، (القاهرة: دار التأصيل، 2012م)، حديث رقم 7137، ص 171.

([4]) عواودة، سمير محمد، “المادة السادسة عشرة من اتفاقية سيداو في ضوء مقاصد الشريعة”، المجلة الدولية للاجتهاد القضائي، العدد 4، كانون الأول/سبتمبر 2021، جامعة القدس، فلسطين.

([5])  آل عمران: 36.

([6])  فصلت: 34.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page