´طوفان الأقصى..
تاريخ يُنجز وحلم يتعزّز
بقلم: د. سهام داوي
شدّ فجر السابع من أكتوبر انتباه العالم إلى فلسطين، بتوقيت المقاومة الفلسطينة التي جعلته فجر الثأر، وضربة موجعة للكيان الصهيوني الذي تمادى في التضييق على الفلسطينيين حائلا بينهم وبين المقدسات، ومتوسعا في بناء المستوطنات،
غزة الموعودة بالسداد
لم يكن مفاجئا ضرب غزة، ولا قهر غزة، ولا دكّ البنايات على ساكنيها في غزة، بتوابل تهوّر إضافية تمثّلت في مجزرة المستشفى التي راح فيها المريض والطبيب، واللاجئ والقريب، وتناثرت أشلاء الأطفال في مشهد صادم لم يعرق له جبين الفاعلين ولا المتواطئين من أقطاب المجتمع الدولي الذين التزموا الصمت، مصرّين على التغطية على الجرائم الصهيونية الشنيعة التي أذهلت العقول، وتعدّت الشباب إلى الشيب والعجزة والأطفال وحتى الأجنة في البطون، تفجيرا وتدميرا، ونسفا وحرقا وتجويعا بدم بارد لا حدود لأصحابه المرضى بالحقد على الإنسانية، والمجرّدين من كلّ ذرّة منها.
والمسلّمة التي لابد من استحضارها مع رفع القلم للكتابة عن الحدث وعن القضية أنّ مأساة فلسطين ليست مجرد حرب عدوانية تنفجر بين الحين والآخر وتحصد الآلاف في أيام معدودات، ولا مناوشات حدودية على ما يكون بين البلدان القائمة بذاتها، وإنما هي قضية وجودية غيّب فيها المنطق، وغطى الباطل على الحق، بسبب قرار جائر لتوطين اليهود في أرض فلسطين منذ عدد قليل من السنين، ونيل الشتات المتوجه إلى هذا الكيان كلّ الحقوق الداخلية والخارجية في مقابل التضييق على الفلسطينيين، والتنكيل باللاجئين الذين منعوا من حق العودة، وحُرم أبناؤهم من الجنسية التي لا أسهل منها لقاصدي “إسرائيل” في كل آن وحين، وغيرها من المعايير الظالمة، والافتراءات الآثمة، تحت رعاية أمريكية صريحة، وبتأييد غربي معلوم، يسكت على التعسف والتمادي، ويثور عند الردّ، ويتغافل عن مجازر الآلة الصهيونية في حق العزل والضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال، رغم الصور البشعة التي تطير في الآفاق، متمسكة فقط بمنع المقاومة من ضرب الكيان، فلا قام في الدنيا منطق إن كان التقدير على هذا الحال، ولا نامت اعين الجبناء إن كان في ذلك ذرة عدوان.
غزة الصامدة في وجه المجازر
المجزرة الصهيونية الحالية في غزة لا نستطيع اللحاق بأرقامها بحال، فهي لا تزال قائمة، وما تحت الأتقاض يربو أن التقديرات، أما الذي فوقها فدمار وأشلاء بلغت في التعداد الذي سيكون تقريبيا عند صدور هذا المقال حوالي 7056 شهيدا أغلبهم من النساء والأطفال الذين راحوا ضحايا بالآلاف، تعبيرا عن حقد دفين، وتوجس عميق من أن يكبروا ويكونوا من المقاومين.
ولنا عبرة في مجزرة سابقة صدمت العالم وتركته جامدا لا يتحرك إما تواطؤا أو تخاذلا أو لقلة حيلة، في يوم 27 ديسمبر 2008م إلى 18 جانفي 2009م: معركة الفرقان أو عملية الرصاص المصبوب، بدأ الهجوم الجوي يوم السبت 27 ديسمبر 200 8م باستعمال الطائرات الحربية. تم مع نهاية هذا الهجوم استعمال ما لا يقل عن 80 طائرة حربية، استهدفت العملية العسكرية كل المقار الأمنية في قطاع غزة والمقار التابعة لحركة حماس، وأدى القصف إلى استشهاد أكثر من مائة من قوات الشرطة والأمن الفلسطينية، وكانت حصيلة قتلى هذه العملية ما لا يقل عن 1417 شهيدًا توزعوا كالتالي:
– 926 مدنيًّا، بينهم (313 طفلاً، و116 امرأة).
– 255 شرطيًّا.
– 236 من عناصر المقاومة، بينهم نزار ريان أحد قادة حماس، ووزير داخلية حكومتها سعيد صيام.
– 14 من الطواقم الطبية، و4 صحفيين، إضافة إلى أكثر من 5450 جريحًا
سجّل يا تاريخ.. إنه الفلسطيني
تتوالى الفواجع من غزة، في حق العزل نساء وأطفالا وشيوخا، وتصدمنا صور الدماء والأشلاء التي حصدتها الآلة الصهيونية الغاشمة، كما هو عهدنا بها في الانتقام الأعمى، فيكاد الواحد منا يفقد صوابه، ولكن الفلسطيني المقهور يعطينا دروسا في الصبر والثبات، مشيعا جموع الشهداء بإصرار على التمسك بالأرض، والتصدي للغاصب، يقينا في وعد الله تعالى، واحتسابا عنده، في تقدير عميق لحقيقة الحياة الكريمة، وطبيعة الموت الشجاع، وسرعة قلب صفحات الأحزان على ايدي من بقي بعد كلّ حرب ولو كان المفقودون بالآلاف، فالرحم الفلسطيني لا يُعدم قدرة على الإنجاب وصنع الفارق الديمغرافي، والمهدم يبنى عادة، وليس الثبات إلا للفلسطيني الذي اعتاد دوي الانفجارات، وصافرات الإنذار، وقابل الموت المحقق بشموخ لا يستطيعه غيره، ولا يحسنه العدو المترس بالسلاح وهو يرتجف خوفا من التكبير، فما بالك بالمواجهة المسلحة، إننا نتعلم هذه الأيام.
فرصة متجددة لمخطط التهجير
ليس ترويع الفلسطينيين وإبادتهم بوحشية بمعزل عن المخطط الصهيوني الكبير لتهجيرهم، وخاصة من غزة، حيث يؤكد العديد من المؤرخين العسكريين أن عملية التهجير القسري للفلسطينيين قد تمت بشكل مبرمج ومخطَّط؛ بهدف “تطهير” فلسطين من سكانها العرب، وقد واكبت عملية التهجير القسري حملات مكثفة من العنف والإرهاب والمجازر، والتي شكلت أحد الأسباب الرئيسية لهجرة عرب فلسطين قراهم ومدنهم.
كما رافقت العمليات العسكرية سياسة الحرب النفسية من خلال تسريب أخبار المجازر على نطاق محلي؛ كي تصل أنباء القتل الجماعي والاغتصاب والهدم إلى الفلسطينيين؛ وذلك كي تزرع في نفوس السكان حالة من الهلع والذعر ليقوموا بإخلاء قراهم؛ حفاظًا على أرواحهم ومتاعهم وأعراضهم.
ومنذ الإعلان عن قرار التقسيم رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947م, كان يسكن في المناطق التابعة للدولة اليهودية -حسب قرار التقسيم- ما يزيد عن 243 ألف عربي في 219 قرية وأربع مدن هي حيفا وطبريا وصفد وبيسان. وقد هجر من هذه المناطق -في الفترة الواقعة بين قرار التقسيم وحتى شهر جوان 1948م- ما يزيد عن 239 ألف عربي، وأخليت ودمرت 180 قرية عربية تمامًا! كما هجر سكان ثلاث مدن كبرى كليًّا هي صفد وطبريا وبيسان, بينما بقي في حيفا 1950 فلسطينيًّا، وبالمقابل قامت المنظمات العسكرية الصهيونية بتهجير ما يقارب 122 ألف عربي من المناطق التابعة للدولة الفلسطينية, وأخليت ودمرت 70 قرية تمامًا، وهجر سكان يافا وعكا بشكل كلي تقريبًا، كما تم تهجير جزء كبير جدًّا من سكان مدينتي اللد والرملة
واجب الموقف
الموقف الغالب على العالم وعلى أمة الإسلام هو أخبار الإبادة التي يتعرض لها إخواننا الأبرياء في غزة، على مرأى ومسمع من العالم، وأرقام الشهداء المرتقين كل يوم، مع جحافل المصابين، ذوحشود اللاجئين بلا وجهة إلا مغادرة مكان الخطر، مع صمود غيرهم في المكان إصرارا على التمسك به وتفويت مخطط التهجير الغادر. هذه الأضواع الماساوية حركت المشاعر، واسالت الدموع، وحثت على المبادرة للتبرع بالموجود من مال ودواء وكساء على ما عهدناه في الخيرين من المتألمين للحال، لكن كل ذلك لا يكفي، فالغضب مكتوم، والمواقف متخاذلة، والمأساة متفاقمة، وواجب الموقف هو الضغط الدبلوماسي من اهل الحكم والقرار، والتعبير الشعبي العربي والعالمي المتواصل عن المساندة للمغلوبين على أمرهم، وتأكيد الرفض والاستنكار، وصولا إلى ربط المواقف بالعلاقات الدولية بما يحرم المتواطئين من خيرات الدول الإسلامية حتى ينصفوا الحق ويمسحوا عن أنفسهم العار.
طوفان الأمل
تمرّ هذه الأيام ثقيلة حزينة مؤلمة، تتفطر فيها قلوب المسلمين وكلّ من لهم ذرة إنسانية في العالمين على ما يحدث في فلسطين، قتلا، وتشريدا، وإبادة للعزّل المستضعفين من الغاصبين المعتدين الذين لا يرعون إلاّ ولا ذمة في المؤمنين، ويستقوون بحماية أمريكية غربية لامشروطة تعدهم بالدعم والتمكين، في مقابل إخماد الحكام العرب لغضب شعوبهم، مهادنة، وتخاذلا، وتنصلا من المسؤولية التاريخية على فلسطين، وعلى المقدسات فيها، ليجد الضعيف الذي لا حيلة له نفسه فريسة الغيظ والقنوط، ورهن الواقع المؤلم، مكبلا، مستبعدا من ميدان النصرة، لا يملك إلاّ الدعاء لهؤلاء المحاصرين، والدعاء على أولئك الغاصبين، مستمسكا بيقينه بالنصر الموعد من ربّ العالمين، وذاك صمام امان الخاشعين، الذين لم تكن القوة ابدا لتثني من عزائمهم، ولم يكن الأمر الواقع لينفض ايديهم من القضية، فهي قضية كلّ مسلم اينما كان، وهي المعركة الفاصلة مع القوى الغاشمة المتخفية خلف الكيان الواهن.
لقد كان التحرّك طوفانا صادقا على العجز والتخاذل والركون إلى الأوهام التي أغرت وألهت، وعبثت بالقضية تحت أرجل المطبّعين الذين وصلوا بتنازلاتهم إلى حضيض الخسّة، وقدموا تباعا عرابين الولاء لبيع الأرض والعرض، وشراء الذمم. وجرّ الغضب الأمل، فاستقوى الضعيف بحلمه في تطهير الأرض وصون العرض من عار جثم على المكان وقتا من الزمان، فاضحا التخاذل العربي، والهمجية الصهيونية، والتواطؤ الغربي في آن واحد، تسليما بالأمر الواقع، ورغبة في أكثر مما هو واقع من التنازلات التي تمسّحت بمسوح السلام، وتسربلت بسربال التطبيع الذي توالت خزاياه بانسياق عدد من الدول العربية طوعا، بل وجهارا بعد أن كان بيع القضية يتمّ في القاعات المغلقة، وتحت طاولات المفاوضات.
ونستأنس في هذا المقام بأهل الوعي من الأعلام، حيث يرجع الإمام الغزالي-رحمه الله-، ضياع فلسطين إلى غفلة الأمة العربية والإسلامية عما كان يحاك لها من تدبيرات استعمارية غربية تهدف إلى توطين الصهاينة اليهود في فلسطين، وهو ما يوضحه في كتاب “الاستعمار أحقاد وأطماع”، قائلاً “أكاد أجزم بأن الأمة العربية والإسلامية في مطالع هذا القرن لم تكن تدري شيئا عن الخطة الهائلة الموضوعة لتمزيقها والتهامها وأن ضياع الوحدة العربية وضعف الجامعة الإسلامية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العرب كانا العون الأكبر للاستعمار في غرس هذا الخنجر المسموم في كياننا، وتركه يعمل عمله الخبيث في التربص بالعرب والكيد لهم”
ويؤكد الإمام الراحل، أن أي ترويج للسلام مع الكيان الغاصب في فلسطين، هو محض وهم وسراب يجري وراءه الواهمين أو المغفلين من الحكام والمثقفين، فلم يكن السلام يوماً هدفاً للصهاينة، ولم يكن الوفاء بالعهد جزءاً من تكوينهم، بل “إن الوفاء يعتصر اعتصاراً من القوم لأنه ليس من خلائقهم”.فاليهود “منذ جاءوا إلى فلسطين أيام الاحتلال البريطاني، لم يفكروا في صلح، ولم يخطر ببالهم إلا إقامة إسرائيل الكبرى.وأقول لمن تخدعهم صيحات الصلح: إننا نؤمل في سراب، وإن أعداءنا ماضون حسب مخططهم الديني المعروف.ولن ننجو من أحابيل الخصوم الظاهرين والأخفياء إلا بعودتنا إلى الإسلام في قوة تعادل أو تزيد على عودة خصومنا إلى مواريثهم، واستمساكهم بدينهم، وحماسهم لمقدَّساتهم”
وعلى كلّ حال فعلى وقع طوفان الأقصى عاد الأمل ليرفرف فوق هذه الأمة، وعادت معه معاني العزة لعد جرعة الخذلان القاهرة، كما عادت قاطرة التحرير والنصر إلى سكتها، واستفاقت العيون من غفلتها، فالواقع مرّ واليم، والتطبيع العفن قد انتشر واستفحل ووصل إلى اتفاقيات ألزمت الأمة بتنازلات المهرولين البائعين بالثمن البخس، أما من يحسبون على التدين من المتتبعين لخطوات إخوانهم تبديعا وتفسيقا فما سمعنا لهم من حسّ ولا أنين، فلا هم ناصروا القضية، ولا هم أعلنوا قبول الدنية في الدين، بل صمتوا وانتكسوا وتركوا لأهل “البدعة” الدفاع عن شرف الأمة، بعد أن ملأوا الأرض ضجيجا بمناسبة إحياء ذكرى مولد سيد المرسلين، في جبن وخور وموقف متخاذل لا يكاد يبين، لأنهم اعتادوا على الاصطياد في المياه العكرة، بالانسحاب من حياة الأمة، والتفرج على مآسيها، والتخندق في جحر سرعان ما يخرجون منه من يحيد قيد أنملة عن منهجهم وأحكامهم الجهلاء، فاللهم اجرف بهذا الطوفان كلّ ظالم، وكلّ متآمر آثم، وكلّ مخذّل نائم.