حصريا

في وظائف القوامة الأسرية-د. رشيد كُهُوس-المغرب-

0 1٬645

 

لقد ظلت الأجيال المسلمة عبر القرون تستقي من معين القرآن الكريم، وتستضيء بنوره، وتلتزم بقيمه وتتخلق بأخلاقه، وتنهج في بناء الأسرة نهجَه… حتى العصر الذي انحصرت فيه عن المجتمع الإسلامي تعاليم القرآن وسنة النبي العدنان r، واستطاع أعداء الإسلام أن يصلوا إلى هدفهم الخبيث، وغرضهم الدفين في قطع علاقة الأسرة بقيمها ودينها؛ وجعلوها تنساق وراء القيم الغربية، وتتخبط في أوحال التحلل والإباحية، تسير بلا هدف ولا غاية، وتعيش من غير سعي إلى إصلاح أو تغيير.

وفي خضم هذه التغيرات الاجتماعية، تعرضت الأسرة المسلمة المعاصرة لمشكلات هزّت كيانها وأدت إلى تصدعها، وهي التي شكلت دائما وأبدا مظلة إنسانية ضرورية لبناء النفس البشرية، ولممارسة المعيشة الهانئة، وذلك لما يخيم فيها من أجواء المحبة والمودة والرحمة، وما تشكله من درع حصينة لصد أوجه التعثر والضَّعف والأخذ بيد أفرادها إلى الطمأنينة والأنس والاستقرار.

إن البيت المسلم السعيد هو الدعامة الأساس لقيام المجتمع المسلم الرشيد، والأسرة المسلمة المستقرة ضرورية لصلاح المجتمع وتماسكه، وشرط لابد منه إذا أريد لمجتمع أن يتماسك ويستقر ويصلح، ولهذا كانت عناية الإسلام كبيرة بالأسرة، فأقام على العدل والفضل بناءها، وثَبّت بالود والرحمة قواعدها، وقوى بمحبة الله عراها وطاعته.

لذلك نجد أن أعداء الإسلام. سواء من داخل المجتمع أو خارجه، قد ضحوا بجهود مضنية واستفرغوا كلّ وسعهم لتدمير الأسرة، ومحو معالمها الإسلامية، وتفكيك أواصرها، وإبعادها عن قيمها الإسلامية. وسلكوا إلى ذلك سبلا شتى، وطرائق قددا؛ واستهدفوا بغية الوصول إلى هدفهم جميع عناصرها وقيمها.

وفي ضوء ما تقدم؛ فإن إبراز الأنموذج الكامل الذي قدمه القرآن الكريم لوظائف القوامة داخل الأسرة في زمن تراجعت فيه القيم الإسلامية على حساب تنام غير محمود للقيم المادية الغربية واجب ديني وضرورة شرعية؛ من أجل العودة بالأسرة إلى مصادرها وينابيعها وأصل قوتها وضامن استمرارها واستقرارها وسلامتها.

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن القوامة هي الدّعامة الأساس للأسرة الناجحة، ولها أثر كبير في بناء البيت الصالح المستقيم مع فطرة الله التي فطر الناس عليها.

هذه المهمة تشمل كافة أفراد الأسرة ويتفيأ ظلالها الوارفة المجتمع بأسره، لأن الأسرة هي العمود الفقري للمجتمع وأساسه الأول، بها يستقرّ ويستمر ويزدهر، وبها يتراجع ويتخلف ويركد.

ولا تعني القوامة الإشراف الماديّ على الأسرة فحسب؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى الحفاظ على القيم الإسلامية والأخلاق الفاضلة داخلها.

إن التدبير السليم والهادف للأسرة قائم على القوامة التي تتطلب من الرجل الزوج السعي في مصالح أسرته العاجلة والآجلة ورعايتها وحمايتها… وعلى الحافظية التي تقتضي من المرأة الزوج الحفاظ على بيت زوجها في حضوره وغيابه؛ رعاية للنشء، وتدبيرا لشؤون البيت، وتعاونا مع ربان السفينة وطاعة لها…  لذلك فمسؤولية الأسرة ملقاة على كلا طرفي الأسرة، وهذا ما عبر عنه سيد الوجود r بقوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا».

إن القوامة في الإسلام وسيلة تنظيمية ضرورية لتحقيق الأمن والاستقرار الأسري، وقد حملت شريعة الإسلام الرجل تبعاتها ومسؤوليتها، لأنه المؤهل لهذه المهمة التي تنوء بالعصبة أولي القوة، نظرا إلى ما ميزه به الله من شجاعة وقوة في العقل والجسم تجعله الأقدر على القيام بهذه الأمانة.

ولذلك فإن الشرع الحنيف لما جعل القوامة بيد الرجل لم يجعل ذلك مطلقا يفعل بها ما يشاء وكيف يشاء وفق هواه وما تشتهيه نفسه، ولم يطلق له العنان ليعبث بأسرته ويقودها إلى المهالك، ولم يقصد بأن تكون هذه القوامة سيفا مسلطا على المرأة أو استبدادا بحريتها وانتهاكا كرامتها، وإنما جعل لهذه القوامة حدودا، وأحاطها بسياج متين حتى تحقق أهدافها ومقاصدها في بناء أسرة مستقيمة تسير سويا على صراط مستقيم.

يقول سيد قطب –رحمه الله- :”إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني؛ ولا إلغاء وضعها «المدني» وإنما هي وظيفة -داخل كيان الأسرة- لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها. ووجود القَيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله”[1].

ومن ثم فعلى الزوج أن يفقه الغرض من هذه القوامة التي قررها له، والأساس الذي قامت عليه، حتى لا يسيء استعمالها، أو يتعسف في استعمال ما تخوله هذه القوامة من سلطة[2].

والله تعالى ختم سياق آية القوامة بقوله: ﴿إن الله كان عليا كبيرا﴾. ليوجه الرجل ويبين له ألا يستعلي أو يستكبر في قوامته على المرأة؛ لأن الكبر والعلو من صفات الله تعالى وحده. ومن هنا تكون القوامة حماية ومدافعة، لا بخس فيها ولا انتقاص، ولا قهر فيها ولا سلب إرادة.

فالقوامة رعاية ومشاركة وحماية وتكليف وليس كما يظن بعض الناس أن قوامة الرجل على أسرته تعني منحه حرية التصرف فيها كما يحلو له ووفقا لأهوائه وما تمليه عليه نفسه “وهو مخطئ! فإن هناك داخل البيت المسلم ما يسمى “حدود الله”[3] وهي كلمة تكررت في القرآن الكريم اثنا عشر مرة[4] منها أربع مرات في آية واحدة[5]، ومرة بتعبير “حدود ما أنزل الله”[6].

وهكذا تبدو قوامة الرجل في عمقها مبنية على التآزر والتعاون والتكامل والتوادد بين الزوجين، واقفة عند حدود الله جل وعلا، منصاعة لأوامره عز وجل سائرة على منهاج نبيه r خاضعة لتوجيهاته النبوية الشريفة التي تضيء لها دروب الحياة وتحفظها من الآفات.

وعلاوة على ذلك فإن درجة القوامة التي أعطاها الله عز وجل للرجال على النساء بصريح النص القرآني هي تثقيل لميزان الرجل بمثاقيل المسؤولية، وتخفيف عن أعباء المرأة التي ندبها الشرع بمهمة عظيمة.

“الدرجة” إمارة في القافلة الاجتماعية الزوجية السياسية هي بمثابة أمير للسفر الذي أوصت به السنة النبوية. إمارة بدونها تكون الفوضى في القافلة، فتضعف، فيجد العدو فيها مغمزا، فيعدو عليها ويمزقها.

ومع ما ذكرته فإن هذه “الدرجة ليست درجة السلطان، ولا درجة القهر، وإنما هي درجة الرياسة البيتية، الناشئة عن عهد الزوجية، وضرورة الاجتماع هي درجة القوامة التي كلفها الرجل وهي درجة تزيد في مسؤوليته عن مسؤوليتها، فهي ترجع في شأنها وشأن أبنائها وشأن منزلها إليه، تطالبه بالإنفاق، وتطالبه بما ليس في قدرتها، وما ليس لها من سبيل إليه”[7].

وتأسيسا على ما تقدم من حديث حول معالم وظائف القوامة داخل الأسرة وبناء على تتبعنا الآيات القرآنية المتعلقة بقوامة الرجل على الأسرة، نخلص إلى أن وظيفة القوامة تتلخص فيما يلي:

  1. البذل والعطاء والقيام بأمور الأسرة الدينية والدنيوية.

إن النفقة والرعاية والقيام بالأمر من أهم وظائف القوامة وأبرزها، إنها معان لا تنفك عن معنى السكينة والمودة، والمعاشرة بالمعروف لا تتأتى بتحقيق الكفاية من الطعام والشراب والملبس والمسكن فقط، بل الأمر أعمق من ذلك، مشاعر دافئة متبادلة، وإحساس بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقهما.

إن الأسرة عامة والزوجة والأبناء على وجه الخصوص بحاجة إلى هذه النفقة لأنهم بها تستمر حياتهم وهي قوام نيتهم، وذلك بأن الإنسان لا يستطيع البقاء بدون نفقة يقوم بها صلبه، ولا يستطيع مخالطة الآخرين ومسايرة المجتمع دون كسوة يستر بها عورته، ولا يستطيع العيش دون مسكن يأويه ويقيه حر الشمس ولهيبها وشدة البرد وزمهريره، ولذلك كانت سنة في بني البشر أن يبحث له عن مسكن وكسوة ونفقة، واقتضت سنة الله في الخلق أن يجعل لكل مخلوق ما يناسبه في هذه الحياة فجعل في الرجال الجلد والقوة والشدة والصبر على تحمل المشاق في سبيل اكتساب الرزق واستحصاله، وألزمهم المسكن لهم ولمن يعولونهم من النساء والذرية وكسوتهم ورزقهم…[8] ؛ لأن الواجب الذي يقابل مهمة القوامة وينشأ عنها هو واجب الإنفاق على الأسرة وعلى المرأة في كل مراحل عمرها بنتا وزوجة وأما، لأن ضمان معيشتها وتلبية حاجاتها هو سبيل إلى صون كرامتها وإلى حفظ شخصيتها، وقد أكدت الدراسات أن انعدام التغطية المالية بسبب انعدام أو إهمال الإنفاق على المرأة قد يكون ذريعة إلى ارتمائها في حمأة الرذيلة[9].

ومن هنا وجب على الزوج أن ينفق على زوجه ولو كانت غنية ذات أموال، وذلك نظام التوزيع الاجتماعي، فمالها لنفسها، والنفقة أثر من آثار الزوجية الصحيحة تثبت للزوجة، ولو اشترطت ألا ينفق عليها يكون الشرط باطلا، لأنه نفي لوجوب ما أوجبه الشرع، أو كما يقول الفقهاء فيه منافاة لمقتضى العقد، ولو كانت المرأة غنية وزوجها فقيرا لا تسقط النفقة عنه، ولكن ينفق بمقدار طاقته، حتى لا تكون الأحكام ضد الفطرة الإنسانية[10].

ولا يقف الأمر عند الإنفاق فقط بل يتجاوزه إلى الرعاية الدينية للأسرة؛ أي أن يعلمهم دينهم وشريعتهم لقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾(التحريم: 6)، وقوله عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾(طه: 132).

وبالرعاية الدينية يضمن الرجل لأهل بيته صلاح الدنيا والآخرة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ r قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ»[11].

وهكذا فإن من وظائف قوامة الرجل تطبيق شرع الله تعالى والحفاظ على حدوده داخل الأسرة، والسعي في مرضاته بتأسيس البيت المسلم، قال تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾(البقرة: 230).

فالقوامة مسؤولية أمام الله عن تنشئة الأبناء على الإسلام ومبادئه وأخلاقه وقيمه، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ (التحريم: 6). وعن أبي هريرة t قال النبي r: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه»[12]. فهذه الفطرة التي فطر المولود عليها عُهد بها أولا إلى الرجل القوام على أسرته ثم إلى المرأة الحافظة للغيب ليرعاها، وحملا مسؤوليتا تدنيسها أو تشويهها.

وعليه؛ فأي تقصير أو إخفاق في قيام الرجل بقوامته، ستكون له عواقب سيئة على سلوك الأبناء والبنات، ومن ثم على المجتمع في بنائه وفكره وأمنه واستقراره وتماسكه.

وفي هذا السياق يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبيان أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه؛ فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له.. ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا؛ فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده حب الدنيا فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره..”[13].

وهكذا فإن المقصد الأسمى للقوامة يتجاوز الرعاية المادية إلى العملية الإحيائية التي تتطلب العناية والتربية وتعهد الاستعداد الفطري للنفس الإنسانية كي لا تحيد عن المرتكزات الإيمانية التعبدية لبناء الأسرة.

ولذلك فإن أهم وظيفة للقوامة هي إقامة حدود الله تعالى؛ أي تحقيق شرع الله في شؤون الحياة الأسرية كلها، من المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف، أو الفراق بإحسان، والتعاون على الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى، والتعاون على حمل رسالة الإسلام.

فضلا عن تربية الأبناء والبنات مقتضيات الإيمان، وأحكام العبادة، وحسن الخلق ومحاسن الخصال والسلوك القويم.

  1. الولاية والنصرة.

الولاية في اللغة هي النصرة والقرب والحلف، وكلها معان تدل على تقوية جانب الضعف من المولى عليه، وولي المرأة: من يلي عقد النكاح عليها، ولا يدعها تستبد بعقد النكاح من دونه[14].

أما في الاصطلاح فالولاية: سلطة لمن ثبتت له القدرة على إنشاء التصرفات والعقود وتنفيذا من غير توقف على إجازة أحد[15].أما إذا كانت متعلقة بشؤونه كتزويجه نفسه أو التصرف في ماله فهي الولاية القاصرة.

والولي في الزواج: “من له على المرأة ملك أو أبوة أو تعصيب أو إيصاء أو كفالة أو سلطنة أو ذو إسلام”[16].

ويعتبر الإمام مالك -رحمه الله- أن الولي: “كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها سواء كان من العصبة أو من ذوي الأرحام، أو الجانب، أو الإمام، أو الوصي”[17]. قال الجزيري: “الولي في النكاح هو الذي يتوقف عليه صحة العقد فلا يصح بدونه، وهو الأب أو وصيه والقريب العاصب والمعتق والسلطان المالك”[18].

وتنقسم الولاية إلى قسمين: ولاية على النفس، وولاية على المال؛

فالولاية على المال هي: حفظ مال غير الراشد أو السفيه أو المجنون… وإجراء التصَرُّفات الشرعية بما يعود بالمصلحة عليهم.

وأما الولاية على النفس، فتنقسم قسمين:

ولاية الحفظ والصيانة: للصغير والكبير معا، لجلب المصالح إليهم ودفع المضار عنهم.

وولاية تزويج الفتاة: أو ما يسمى بولاية النكاح. ولا حرج إذن في هذه الولاية ولا عنت، ولا تضيق المرأة ذرعا بها؛ لأن فيها صيانة مما نشاهد اليوم من استقلال بعض الفتيات بتزويج أنفسهن وما ينتج عن ذلك من نتائج سيئة تعود على الولي والأسرة والمجتمع بالندم والخسران والضرر، كذلك نهى الإسلام الأولياء أن يكرهوا النساء على الزواج بمن لا يرضين؛ إذ يتنافى هذا مع مقاصد الشرع التي جعلت الزواج أساسه الألفة والمحبة والوئام، أو يعضلوهن فلا يمتنعوا عن تزويجهن متى كان الخاطب كفء ولا يضاروهن بحبسهن عن الزواج لهوى أو مصلحة، فإن امتنع الولي عن التزويج بلا عذر مع كفاءة الزوج واستقامة الحال سقطت ولايته وأصبح معضلا وانتقلت الولاية إلى القاضي لينفذ الزواج لأن العضل ظلم وولاية رفع المظالم إلى القاضي[19].

وهذا يعني أنه ليس في الولاية تسلط على المرأة من قبل الرجل، ولا أية استهانة بها، أو انتقاص من قدرتها[20].

فهذه الولاية إذن لا تتعارض مع الحرية التي منحها الإسلام للمرأة في حق اختيار شريك الحياة، لأنه في حال تعنت الآباء يمكن للقضاء أن يتدخل، لأن الولاية التي يريدها الشرع ليست ولاية تسلط وتحكم واستبداد بل هي ولاية مشورة ونصيحة وتوجيه تراعى فيها مصلحة المرأة.

وهكذا تكون الولاية وظيفة من وظائف القوامة داخل الأسرة، حماية للصغير والكبير ونصرة لهم، وضمانا لهم لما يحفظ لهم مصالحهم العاجلة والآجلة.

خلاصة القول:

إن القوامة الأسرية الفعالة لا تقتصر على أمور الأسرة المادية فحسب كالإنفاق مثلا ؛ ولكنها مسؤولية ضخمة تنوء بالعصبة أولي القوة؛ مسؤولية بناء أجيال المستقبل، والإسهام في إحياء الأمة والحفاظ على كيانها؛ بتربية الأبناء وبناء القلوب، واستقرار الأسرة، والمساكنة الزوجية، والتخلص من شوائب الخلافات والخيانات والنزاعات التي تنذر بالثبور وعظائم الأمور..

 

 

([1]) في ظلال القرآن، 4/355.

([2])المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، زيدان، 7/277-279. الإسلام والمرأة المعاصرة، البهي الخولي، ص: 75-76.. مكانة المرأة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، بلتاجي، ص106. إعداد المرأة المسلمة، السيد محمد نمر، ص43- 44.

[3]، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، محمد الغزالي، ص:154. بتصرف.

[4]سبع مرات في سورة البقرة الآيات: (187، 229، 230)، ومرة في سورة النساء الآية: 13، ومرة في سورة التوبة الآية: 97، ومرة في سورة المجادلة الآية: 4، ومرة في سورة الطلاق الآية: 1.

[5]وهي الآية 229 من سورة البقرة.

[6]كما في الآية 97 من سورة التوبة.

[7]الإسلام عقيدة وشريعة، محمود شلتوت، ص156-157.

[8] حقوق المرأة في الزواج فقه مقارن، محمد بن عمر عتين، ص175.

[9] كرامة المرأة من خلال خصوصيتها التشريعية، مصطفى بنحمزة، ص54.

[10]المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة، ص110-111.

[11] سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث رقم 2465، قال الألباني: حديث صحيح.

[12]صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام، ح1292.

[13] إحياء علوم الدين، 3/72.

[14] مختار الصحاح، الرازي، مادة: ولى. بصائر ذوي التمييز، 5/281.

[15] الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 7/187.

[16] شرح حدود ابن عرفة، الرصاع، ص218.

[17] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/75.

[18] كتاب الفقه عل المذاهب الأربعة، الجزيري، ص 826.

[19] قضايا المرأة المعاصرة رؤية شرعية ونظرة واقعية، سعاد إبراهيم صالح، ص64.

[20] أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، محمد ابن معجوز، ص85.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page