حصريا

لماذا تفشل أغلب محاولات التغيير داخل الأسرة؟ وكيف نحولها إلى نقطة انطلاق حقيقية – د.صالح بن محمد خير الكعود -سوريا-

0 169

د.صالح بن محمد خير الكعود

دكتوراه في تنمية الموارد البشرية

زميل باحث في تنمية الموارد البشرية

الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا

 

 

لماذا تفشل أغلب محاولات التغيير داخل الأسرة؟ وكيف نحولها إلى نقطة انطلاق حقيقية

 

تعيش كثير من الأسر حالة متكررة من الحماس نحو التغيير، حيث تبدأ بقرارات واضحة لتحسين سلوك الأبناء أو تنظيم الحياة اليومية، لكن سرعان ما يتراجع هذا الحماس، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه. هذه الظاهرة لا تعكس ضعف الإرادة بقدر ما تعكس خللًا في فهم طبيعة التغيير نفسه. ومن منظور إدارة التغيير البشري كما ورد في قسم “الوعي كنقطة انطلاق” في كتابنا رحلة في إدارة التغيير البشري، فإن أي تغيير لا يُبنى على فهم عميق للإنسان سيظل مؤقتًا، مهما كانت النوايا صادقة. نسرد هنا عدداً من القضايا التي تواجه الآباء اثناء رحلة التغيير وتربية الأبناء.

• المشكلة الأولى: التعامل مع السلوك كأنه نقطة البداية

تكمن المشكلة الأولى في أن الأسرة تتعامل مع السلوك الظاهر كأنه أصل المشكلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة لعوامل داخلية أعمق مثل القناعات والمشاعر والدافعية. هذا الفهم السطحي يدفع الآباء إلى التركيز على “ماذا يفعل الأبناء”، بدل “لماذا يفعلونه”. فعلى سبيل المثال، عندما يقضي الابن ساعات طويلة على الهاتف، قد يُفسر ذلك على أنه إهمال أو تمرد، فيتم منعه أو معاقبته. لكن عند التعمق، قد نكتشف أن الابن يشعر بالملل، أو بالعزلة، أو بعدم التقدير داخل الأسرة، فيلجأ للهاتف كوسيلة للهروب. هنا، يصبح الهاتف عرضًا وليس المشكلة الحقيقية. ولذلك، فإن الحل لا يبدأ بتغيير السلوك، بل بفهم أسبابه. عندما يجلس الأب مع ابنه ويسأله عن مشاعره، أو يحاول إشراكه في أنشطة أسرية، أو يساعده في تنظيم يومه، فإن التغيير يحدث بشكل طبيعي. فالسلوك يتغير عندما تتغير أسبابه، وليس عندما يتم قمعه. يشير (Brown & Ryan (2003 في دراستهم عن اليقظة الذهنية إلى أن الوعي بالذات هو الأساس الأول للاستقرار النفسي، لأنه يمكّن الإنسان من رؤية أفكاره ومشاعره كما هي. وهذا الإدراك يكشف للإنسان أن كثيرا من قراراته لم تكن بقناعة، بل خوفا أو عادة أو ضغطاً اجتماعياً. وعليه فإن مساعده الأبناء على اكتشاف ذواتهم وإدارة حياتهم هو بداية لتغيير السلوك نحو حياة أكثر وعي وطمأنينة واتزان.

• المشكلة الثانية: استخدام الضغط كأداة للتغيير

تتمثل المشكلة الثانية في اعتماد بعض الأسر على الضغط والأوامر والتهديد كوسيلة لإحداث التغيير، مما يؤدي إلى استجابة ظاهرية دون قناعة داخلية. هذا النوع من التغيير هش، لأنه مرتبط بوجود الرقابة، ويختفي بمجرد غيابها. ولتوضيح ذلك، يمكن تصور أم تفرض على ابنتها الدراسة من خلال التهديد بحرمانها من الخروج، فتلتزم الابنة مؤقتًا، لكنها تعود إلى سلوكها السابق عند أول فرصة. السبب هنا أن التغيير لم ينبع من فهم أو اقتناع، بل من خوف. الحل يكمن في التحول من فرض السلوك إلى بناء القناعة. يمكن للأم أن تناقش ابنتها حول أهدافها، وتربط الدراسة بطموحاتها، وتمنحها دورًا في اتخاذ القرار. عندما يشعر الأبناء أنهم شركاء في التغيير، وليسوا ضحايا له، فإن التزامهم يصبح نابعًا من الداخل. يشرح فيكتور فرانكل (2006) أن الإنسان لا يجد قوته إلا عندما يجد ” معنى

شخصيا” يرتبط بما يؤمن به، وأن الإنسان ينهار عندما يعيش لأجل أهداف الآخرين لا أهدافه. الهدف الذي ينتمي إليك يمنحك طاقة لا تنطفئ بسهولة، ويجعلك تتعلم من التعثر بدل أن تنكسر به. بينما الهدف الذي لا يشبهك يطفئك مهما بدا رائعا أمام الناس. ولهذا يجب أن نشرك الأبناء في اتخاذ قراراتهم المصيرية ليشعروا انها أهداف تنتمي اليهم وليس للأخرين.

• المشكلة الثالثة: غياب القدوة داخل الأسرة

تظهر المشكلة الثالثة عندما يحدث تناقض بين ما يُطلب من الأبناء وما يمارسه الوالدان فعليًا، مما يفقد التوجيه مصداقيته. فالأبناء لا يتعلمون من الأقوال بقدر ما يتأثرون بالأفعال. على سبيل المثال، عندما يُطلب من الأبناء تقليل استخدام الهاتف، بينما يقضي الأب أو الأم ساعات طويلة عليه، فإن الرسالة غير المباشرة التي تصلهم هي أن السلوك الفعلي أهم من التوجيه. وهذا يؤدي إلى تجاهل النصائح. الحل هنا يبدأ من الذات. عندما يحرص الوالدان على تجسيد القيم التي يطالبان بها، مثل الانضباط أو الهدوء أو تنظيم الوقت، فإن الأبناء يكتسبون هذه السلوكيات بشكل طبيعي. فالقدوة ليست خيارًا إضافيًا، بل هي أساس التغيير.

• المشكلة الرابعة: التوقعات غير الواقعية

تكمن المشكلة الرابعة في وضع توقعات كبيرة وسريعة للتغيير، مما يؤدي إلى الإحباط عند عدم تحقق النتائج. فالتغيير بطبيعته عملية تدريجية، وليس تحولًا مفاجئًا. فمثلًا، عندما يضع الأب خطة متكاملة لابنه تشمل الدراسة والرياضة والقراءة في وقت واحد، قد يلتزم الابن لفترة قصيرة، لكنه سرعان ما يشعر بالإرهاق ويتوقف. هنا لا تكمن المشكلة في الابن، بل في حجم التوقعات. الحل هو تبني مبدأ التدرج. يمكن البدء بسلوك بسيط مثل تحديد وقت النوم، ثم تثبيته، ثم الانتقال إلى سلوك آخر. هذا الأسلوب يضمن بناء عادات مستقرة بدل تغييرات مؤقتة. هنا لا بد من معرفة بسيطة بقانون تشكل العادات. حيث تتشكل العادات وفق قانون بسيط لكنه قوي التأثير: ما نكرره يتجذر، وما نهمله يذبل. وتوضح أبحاث (Clear (2018 في العادات الصغيرة أن الدماغ يبحث دائماً عن “الحلول الأسهل “، ولهذا يصنع طرقا مختصرة تؤدي إلى سلوك تلقائي. فإذا كانت بيئة الإنسان غير منظمة، تصبح عاداته غير منظمة. وإذا كانت أهدافه كبيرة جداً دون خطوات صغيرة، يشعر عقله بالتهديد فيتجنب البدء. وهنا يأتي الانضباط: أن يختار الإنسان سلوكاً صغيراً واضحاً لكنه متكرر، مثل قراءة صفحة يومياً، أو المشي عشر دقائق، أو تأمل دقيقتين. هذه السلوكيات الصغيرة بحسب (Clear (2018 تغيّر الهوية قبل أن تغيّر النتائج، لأنها تبني في النفس شعورا جديدا: “أنا إنسان يفعل”. ومن هذا الشعور ينطلق التغيير الكبير.

• المشكلة الخامسة: غياب البيئة الداعمة نفسيًا

تتمثل المشكلة الخامسة في أن بعض الأسر تحاول إحداث التغيير في بيئة مليئة بالنقد أو التوتر، مما يعيق أي تقدم. فالإنسان يحتاج إلى شعور بالأمان والتقدير حتى يكون مستعدًا للتغيير. على سبيل المثال، طفل يتعرض للانتقاد المستمر عند كل خطأ، سيصبح مترددًا في المحاولة، بينما طفل آخر يتم تشجيعه حتى عند الخطأ، سيستمر في التعلم. الفرق بينهما ليس في القدرة، بل في البيئة. الحل يتمثل في بناء بيئة داعمة، حيث يتم تقليل النقد وزيادة التشجيع، والنظر إلى الخطأ كجزء من التعلم. عندما يشعر الفرد بالأمان، يصبح التغيير تجربة إيجابية، وليس عبئًا نفسيًا. إن الطاقة العاطفية كما يوضح مارك مانسون (2016) هي المحرك العميق لكل سلوك. المشاعر غير المعالجة مثل الغضب، القلق، اللوم، الخذلان، الخوف من الفشل وغيرها كلّها تسرق طاقة الإنسان دون أن يشعر. ولهذا يجب الانتباه إلى توفير بيئة داعمة صحية تقوم على الأمان والاستيعاب والتوجيه بدل الانتقاد.

• المشكلة السادسة: غياب الوعي الذاتي لدى الوالدين

تكمن المشكلة السادسة والأعمق في أن بعض محاولات التغيير تنطلق من ردود فعل آنية، وليس من وعي حقيقي بالذات. حيث يسعى الوالدان لتغيير الأبناء دون مراجعة سلوكهم أو أساليبهم. فمثلًا، قد يغضب الأب من تصرف ابنه، فيحاول تغييره فورًا، دون أن يدرك أن أسلوبه في التعامل قد يكون جزءًا من المشكلة. هذا النوع من التغيير العشوائي يفتقر إلى الاستمرارية. الحل يبدأ من الوعي الذاتي، كما يؤكد الكتاب. عندما يسأل الوالدان أنفسهم: “هل أسلوبنا يساعد على التغيير أم يعيقه؟”، فإنهم ينتقلون من رد الفعل إلى الفعل الواعي. التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وليس من الخارج. يجب الانتباه إلى أن العائلة هي مصدر الأمان الأكبر، لكنها قد تتحول دون قصد إلى أحد أكثر مصادر الضغط تأثيرا على النفس. تشير برينيه براون (2012) إلى أن الضغوط العائلية تتولد عندما تتضارب الأدوار، أو يغيب الحوار، أو يُطالب أحد أفراد الأسرة بأن يكون ” كل شيء للجميع”. ولهذا يجب على الوالدين الانتباه إلى أسلوب تعاملهم مع أبنائهم فقد يكون أسلوباً داعماً وقد يكون اسلوباً هادماً.

• الخاتمة:

إن فشل التغيير داخل الأسرة ليس نتيجة ضعف في النية، بل نتيجة غياب الفهم العميق لطبيعته. فكل محاولة للتغيير تتجاهل جذور السلوك، أو تعتمد على الضغط، أو تفتقد للقدوة، أو تتسرع في النتائج، أو تهمل البيئة، أو تغفل عن الوعي الذاتي… محكوم عليها بالتراجع. لكن الخبر الجيد هو أن التغيير ممكن، بل ومتاح، عندما نعيد بناء فهمنا له. وعندما ننتقل من محاولة “فرض التغيير” إلى “بناء الإنسان القادر على التغيير”، فإن النتائج تصبح أكثر عمقًا واستدامة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page