مسارات هدم الأسرة (الجزء الأول)
د. شفاء الفقيه/ أستاذ مشارك في قسم أصول الدّين في الجامعة الأردنية
إنّ المُتابع عن كثب لشؤون الأسرة يلحظ وجود تحديات راهنة غدا تأثيرها يرسم مسارات خطيرة تُسهم في هدم الأسر وتضييعها وحَرْفها عن دورها المنوط به؛ فالأسرة التي ينبغي أن تكون موطن السكينة والمودة، وتمد الفرد بالمحبة وتحفز دافعيته نحو التفاني في خدمة مجتمعه عملا بقوله تعالى: { وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓأَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21) باتت تمر بتحولات خطيرة، أدّت إلى تفكيك عرى كثير من الأسر، بالإضافة إلى ازدياد حالات الشقاق والنِّزاع التي طغت على أُسر أخرى، ففقدت بهذا كثير من الأُسر سكينتها، وفقد أفرادُها راحتهم واستقرارهم.
وتأتي هذه المقالة اليوم في ظل الضغوط الكبيرة التي تمارس على كثير من الدول الإسلامية والعربية لتغيير قوانينها وتشريعاتها الإسلامية المتعلقة بالأسرة لتتوافق مع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، تحت مسميات متعددة ومبررات متنوعة يراد منها تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية بشكل نهائي، وإزالة كل ما يميز الهُوية الإسلامية للمسلم. وفي ظل هذه الضغوط يصبح الرهان الحقيقي على وعي المسلمين رجالاً ونساءً بضرورة مواجهة هذا التغول على تشريعات الأُسرة، والتشوهات التي يتم الترويج لها لإفساد العلاقة بين الرجل والمرأة، والفطرة الإنسانية.
وفي هذه المقالة سأحاول تسليط الضوء على بعض الأمور التي تدفع بالعديد من الأُسر إلى مسارات مظلمة تودي إلى ضياعها وهدمها، وتغييب دورها الرسالي في البناء المجتمعي، وتحقيق السكينة والمودة لأفرادها.
هذه المسارات تنقسم إلى قسمين؛ قسم يُسهم في هدم الأُسر و يرتبط بالفرد، وقسم يتعلق بالتحديات الخارجية التي تمارس في سبيل تغيير أنماط الأسرة، وإعادة صياغة العلاقة بين الزوجين وفق المنظور الغربي الذي تدعو إليه المنظمات الحقوقية ومؤتمرات المرأة والتيارات النسوية وغيرها.
وأبدأ الحديث في هذه المقالة عن تنشئته وبيئته التي يترعرع فيها، ونظرته إلى الزواج والأسرة وفيما يأتي أبرزها:
1-أولى مسارات هدم الأسرة هو ضعف الوعي أو الجهل بالتحديات الراهنة؛ فجهل الزوجين أو الأبوين بالتحديات الراهنة وبخطورتها على صعيد الأبناء والعلاقة الزوجية، وتأثيرها على الترابط الأسري النووي والممتد، مسألة ينبغي التنبه لها. فتأثيرات العولمة والتغريب الثقافي ووسائلها من الأمور التي ينبغي أن يعرفها الزوجان لمواجهة أثرها على الأسرة وأفرادها.
وقد يكون سبب هذا الجهل هو انشغال الزوجين بكسب الرزق، أوعدم امتلاك المعرفة التربوية اللازمة حول كيفية تربية الأبناء في عصر العولمة وتحدياتها، وأثر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع ضعف ما تُقدمه المؤسسات التعليمية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من برامج تربوية، أو برامج توعوية حول كيفية مواجهة التغريب الثقافي الذي بات يهدد كل أسرة.
2-ضعف تأهيل الزوجين أو الأبوين بكيفية حل المشكلات الزوجية وتربية الأبناء تربية واعية صحيحة، وعليه فإننا نعاني من تغييب لثلاثة جوانب هي:
- التأهيل المعرفي حول الزواج وأحكامه، وأصول التربية.
- التأهيل الوقائي المتعلق بكيفية وقاية الأسرة وأفرادها من مؤثرات التغريب الثقافي، وأثر الثقافات الوافدة على أبنائنا.
- التأهيل العلاجي وامتلاك القدرة والمهارات الصحيحة في التعامل مع المشكلات عند وقوعها بشكل يسهم في مواجهة المشكلات لا تفاقمها، مما يُسهم في حماية الأبناء وصيانة الأسرة من المخاطر التي تتهددها.
وهذا أمر مرده إلى غياب البرامج التأهيلية قبل الزواج وبعده، وهذا ما تؤكده الدِّراسات الحديثة ففي دراسة أجراها د. ياسر زهران وآخرون بعنوان أسباب الطلاق في الأردن وانعكاساتها التربوية لسنة 2014 ، خلصت الدراسة إلى عدد من التوصيات منها تضمين المناهج الدراسية مواد تتعلق بتكوين الأسرة، وواجباتها، ورسالتها، بما يتناسب مع كل مرحلة دراسية أو عمرية، وبخاصة للطلبة الجامعيين، بالإضافة إلى عقد الندوات والحوارات واللقاءات مع المقبلين على الزواج.
2-فقدان المرجعية للأسرة المسلمة، وتحكيم الأهواء والأمزجة والتشكيك بجدوى الأحكام الربانية:
يقول تعالى:{وَمَاكَانَلِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓأَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُمِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥفَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰالٗا مُّبِينٗا}(الأحزاب: 36) مع وجود الدستور الإلهي والميثاق الرباني الغليظ في بناء عرى الحياة الزوجية، لا ينبغي أن يتم تجاهل كل هذا وتحكيم الأهواء في حل المشكلات الزوجية.
فعلاقة الرجل بالمرأة علاقة نظمتها الشريعة الإسلامية في سبيل ما هو أقوم وأصلح للأسرة، دون أن تترك الأمر لصلاحيات الرجل فيتغلب على المرأة، أو للمرأة فتتغلب على الرجل، وإنما بيّن الأدوار؛ أدوار كل من الرجل والمرأة في نطاق الأسرة، وبيّن أدور الأبناء فأمر ببر الوالدين، ورسم معالم متكاملة تُسهم في تحقيق السعادة والسكن للأسر. فكان على كل من الرجل والمرأة تكاليف ومسؤوليات تتكامل ولا ينفرد طرف من الأطراف بالتحكم بالأسرة.
فحدد ضوابط العلاقة الزوجية، وأصول التَّعامل العاطفي بين الرجل والمرأة، ووضح
واجبات المرأة وواجبات الرجل، وجعل هذه الواجبات إلزامية في سبيل بناء الأسرة بناءً متيناً راسخًا.
إنّ أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية جاءت مُفصلة، ابتداءً من أولى الخطوات في بناء الأسرة من كيفية اختيار الزوج ومروراً بأحكام الخطبة ، ووصولاً إلى أحكام الزواج وما يرتب عليه من نفقة ومهر وكسوة وسكن وانتهاءًه بالوفاة أو الطلاق وما يترتب على ذلك من عدّة ونفقة وميراث أو حضانة، وما يتعلق من حقوق وواجبات مالية وأدبية لكلا الطرفين.
وقد وضعت الشريعة أحكاماً خاصةً بثمرة هذا النكاح (الأولاد)؛ فالطفل له حقوق كاملة في كل مراحل نموه، توفر له العناية والرعاية والحنان والأمان.
ولكن العبث بمصداقية أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالأسرة بلغ مبلغًا كبيرًا، من خلال موجات التشكيكات والانتقاص من الأحكام الشرعية التي نظمت شؤون الأسرة؛ من زواج وطلاق وحضانة وميراث وشهادة ومهر وقوامة وتعدد زوجات، فشككوا في صلاحيتها وكثّفوا عمليات الهدم لإبعاد المسلمين والمسلمات عن دينهم وعدالة منهج السماء، وقد ساعد على ذلك مخالفة الكثير من المسلمين تطبيق تعاليم دينهم فيما يخص النساء وقضاياهنّ، حيث عوملت النساء في كثير من المجتمعات التي تنتمي للإسلام وفق عادات وتقاليد قبلية بعيدة عن سماحة الشريعة وعدالتها وتعاليمها الوضّاءة، منتقصة حقوقهنّ الفكرية والاجتماعية.
يقول الله تعالى: {أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓأُخۡرَىٰ ٦ لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا} (الطلاق: 6-7) . ومن الأسباب التي أدَّت إلى ذلك هو تأثير العَلمانية في فكر الأفراد وتوجهاتهم؛ فالمناداة بفصل الدّين واحكامه عن حياة الأفراد ساهم في إضعاف قِيم الدين في توجيه التفكير، ومن ثمَّ السلوك، وقد نبّه الدكتور عبد الوهّاب المسيري على خطورة ذلك بقوله:” إنّ العلمانية ليست فكراً ولا مجموعة أفكار، بل هي دعوة لإبعاد الدِّين بكونه مرجعية تضبط فكر الفرد وسلوكه، وأصبح الاعتقاد الذي بات ينتشر هو ان العقل مطلق، وأنَّه قادر على إيجاد الحلول لكل شيء وعلى مستويات الحياة كافة، وقد زاد هذا الاعتقاد ما رآه الانسان الغربي من التقدم الصناعي والتكنولوجي”.
وهذا بدوره أدّى إلى الوصول إلى فوضى العلاقات الاجتماعية وإنشاء أنظمة أُسرية جديدة لا تحقق الهدف من بناء الأسرة .
3-التهرّب من المسؤوليات الأُسرية من قبل الرجال أو النِّساء:
وهذه من أبرز الإشكاليات التي باتت تتسبب في وقوع الطلاق بين الأزواج نتيجة تقصير أحد الزوجين أو كلاهما بتحمل المسؤوليات المناطة بهم، وقد حمّل الإسلام الرجل والمرأة كلاهما مسؤولية القيام بأعبائهم الأسرية، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.
4-ضعف تمثّل القيم الأخلاقية في الأسرة:
لا شك أنّ القيم الأسرية مُتعددة منها السلوكي ومنها الوجداني، ولا يمكن للأسرة أن تستمر دون ان تكون هذه القيم حاضرة بين أفراد الأسرة الواحدة، ومنها قيمة الحب والمودة، والنّصيحة والتعاون والتضحية، هذه القيم تعين الأبوين والأبناء على مواجهة صعوبات الحياة، وتبقي روابط المحبة والألفة قوية، بالإضافة إلى القيم الأخلاقية التي أمر بها الإسلام على وجه الخصوص الزوجين، والأبناء في سبيل تعزيز العلاقات الأسرية وتوطيد العلاقة بين أفرادها، وبفقدها أو ضعف حضورها فإنّ الأسرة ستعاني من هشاشة العلاقة بين أفرادها ومن التفكك وفقدان الدور الرسالي لها، ومنها:
-الصبر الذي أمر الله به وحثّ عليه، فبناء أي علاقة إنسانية يتطلب صبر وتحمل وتجاوز وتغاضي عن الكثير من الأمور في سبيل تعزيز هذه العلاقة، لذا فقد عززت الشريعة قيمة التقبل للآخر والتغاضي عن عيوبه؛ كما في قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } (النساء: 19)، لقد رسخ النَّبي صلى الله عليه وسلم منهجاً معرفياً لهذا التقبل بقوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»(رواه مسلم).
-أمر الإسلام بالأمانة بين الزوجين فالمرأة مؤتمنة على حياتها الزوجية وكذلك الرجل، وإفشاء الأسرار الزوجية سبيل إلى هدم الأسرة، وفتح المجال لتدخل أطراف دخيلة تعبث بها. لذا أوجب الإسلام عند وقوع الخصومة بين الزوجين أن يختار كل منهما حكما من اهله وحكما من أهلها يرتضون أن يدخل فيعرف هذه الأسرار بهدف الإصلاح والتوفيق بين الزوجين، قال تعالى{وَإِنۡخِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَافَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآإِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُبَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا}(النساء: 35)
كما نهى الإسلام عن إفشاء الرجل لما يجري بين الزوجين من أمور الاستمتاع، حفاظا على روابط العلاقة الزوجية وخصوصية هذه العلاقة، وحماية لها من تدخلات من لا يؤمن عليهم من النّاس وتأثيرهم، فعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنَّ مِن أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها» رواه مسلم.
5-فقدان مفهوم التعبد لله تعالى بالأدوار الأسرية، مسألة التعبد واحتساب الأجر في كل جهد أصل في وجود الإنسان في الحياة فقد قال تعالى:{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ} (الملك: 2)
وذلك لأنّ القيام بالمسؤوليات الأسرية يتطلب الجهد وبذل الوسع، وهذه أمور لا يضيع الله للمؤمن جهده فيها وإنما يؤجره عليها، فيصبح يومه وليله تعبداً بمفهومه العام يؤجر عليه، والنصوص الشرعية دالة على هذه المسألة ففي قوله تعالى:{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡأُنثَىٰۖ} (آل عمران: 195)
والأدلة التفصيلية على هذا كثيرةأذكر منها:
-خير مال ينفقه الزوج على زوجته:
فعن أَبي مَسْعُودٍ الْبَدرِيِّ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ:« إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نفقَةً يحتَسبُها فَهِي لَهُ صدقَةٌ» متفقٌ عَلَيهِ.
وعن عبدِاللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رَضي اللَّه عنهما قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: «كَفى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقُوتُ» حديثٌ صحيحٌ، رواه أَبو داود وغيره.
ورواه مسلم في “صحيحه” بمعنَاهُ، قَالَ: «كَفى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يملِكُ قُوتَهُ».
وعن أبي هريرةَ : أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا ملَكَانِ يَنْزلانِ، فَيقولُ أَحدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» متفقٌ عَلَيهِ.
-و عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، ومَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِه اللَّهُ» رواه البخاري.
فكل هذه الأحاديث تعالج ظاهرة تذمر كثير من الرجال من أعباء الإنفاق على الأسرة، ومن تحمل تبعات المسؤولية. فالمؤمن حين يقوى إيمانه بالآخرة ويوقن بلقاء الله تعالى وجزاءه العظيم يدرك بأنّ كل عمل يقوم به ويخلص النية فيه لمرضاة الله فهو عبادة يؤجر عليها.
وكذلك المرأة فخير ما تقوم به المرأة هو قيامها بمسؤولياتها الحقيقية تجاه أسرتها واحتساب الأجر كذلك لأنّ الله تعالى يحتسب للإنسان أجر كل عمل يقوم به، واعتزاز المراة بمسؤولياتها المنوطة بها يعالج أحد المسارات الهدامة التي باتت تنتشر في الأوساط بين الفتيات اليوم ونظرتهن الدُونية للدور الرسالي للمرأة في بيتها زوجة وأماً، وهذه من أخطر المسارات التي طرات في العصر الحالي نتيجة التأثر بالكثير من عوامل الهدم والمتغيرات الثقافية الخطيرة.
-وقد يتساءل البعض عن حكمة إلزام الرجل بالإنفاق وليس المرأة، وهذا من حسن تدابير النظام الإسلامي وحكمته أنه حين كلف المرأة برعاية بيتها وأسرتها وفر لها أسباب التفرغ لهذه المهمة الكبيرة، فقد رفع عنها عبء توفير لقمة العيش ومتطلبات الحياة، وفرض على زوجها الإنفاق عليها وعلى أولادهما، ومن ثم لم يعد لها حاجة فعلية لترك عملها الأصيل في بيتها، كي تعمل خارجه وتشتت جهدها وفكرها، فقد كُفيت ذلك كحق شرعي مقابل تفرّغها إلى عمل أهم وأعظم ممَّا يمكن أن تُحصّله من عملها خارج بيتها.
وفي هذا يقول عباس العقاد: ” إننا نستطيع بغير تردد أن نفهم أن المجتمع الأمثل ليس هو المجتمع الذي تضطر فيه المرأة إلى الكدح لقوتها وقوت أطفالها، وليس هو المجتمع الذي تعطل فيه أمومتها وتنقطع لذاتها، وتنصرف إلى مطالبها وأهوائها، وليس هو المجتمع الذي ينشأ فيه النَّسل بغير أمومة وبغير أبوة وبغير أسرة…”
وإذا كان الغرب ينادي برعاية المرأة والاهتمام بشأنها من منظور إنساني، فإن الإسلام فضلاً عن هذا قد حرص على العناية بها من منطلق أهمية دورها وعمقه في المجتمع، ولتمكينها من القيام به على أكمل وجه، فالمرأة هي الحاضنة والمربية والأساس في تكوين شخصية أطفالها، ونموهم بدنياً وعقلياً ووجدانياً وأخلاقياً، وقد وهبها الله تعالى من الإمكانات والاستعدادات الفطرية التي تمكنها من رعاية أبنائها والتأثير فيهم وتقويم سلوكياتهم، فإذا ما نجحت في رسالتها فقد نجت بأبنائها وبالمجتمع إلى بر الأمان، أما إذا فشلت فسيكون في ذلك أكبر الأثر والضرر على المجتمع بأسره، لذا كان الاهتمام بالأم وبدورها في بناء الأسرة والقيام على رعايتها وفق الرؤية الإسلامية العميقة يساهم بشكل صريح ومباشر في تكوين المجتمع الأمثل، وهذا النظرة الثاقبة لم تصل إليها أية عقيدة دينية أو أيديولوجية فكرية.
6-الجفاف العاطفي بين أفراد الأسرة، وفقدان مَكانة الأسرة عند الفرد: وهذا نتيجة العولمة وتأثير العلمانية وتقوية الفردانية (استقلال الفرد والسعي نحو تحقيق الذات وتغلب الأنانية، والتخلي عن دعم الأسرة)، ولعل أكثر ما أدّى إلى ذلك أيضاً هو التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في إيجاد العزلة الاجتماعية للفرد عن أسرته، وإضعاف حضوره وتفاعله مع أفراد عائلته، سواء أكان الزوج أم الزوجة أم الأبناء فجميع أفراد الأسرة اليوم يعانون من هذه العزلة التي أدّت إلى إضعاف التواصل بينهم، وقللت من فرص رعاية الأفراد لبعضهم واهتمامهم. ممّا زاد من الشعور بالوحدة لدى الفرد، وأوجد حالة من الجفاف العاطفي يعاني منه الأبناء أو بعضهم أو أحد الزوجين أو حتى كلاهما. الأمر الذي أدّى إلى مزيد من الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي لتعويض هذا الجفاف العاطفي، بدل تقوية الروابط الأسرية، وتعزيز الدعم العاطفي والاجتماعي بين أفراد الأسرة الواحدة.
ومثل هذه الإشكالية يمكن حلها في حال انتبه لها الزوجان، من خلال إعادة تقوية التواصل بين أفراد الأسرة، وزيادة فرص الحوار واللقاء، وتقديم الدعم والاهتمام بين أفراد الأسرة الواحدة.
وختاماً فقد عرضت فيما سبق لأبرز الأسباب التي تسهم في إضعاف الأسرة وزعزعة وجودها وتماسكها. في سبيل زيادة الوعي عند الفرد بأهمية دوره في مواجهة التحديات الراهنة، سيما وأنّ الرهان الحقيقي أصبح منوطاً بوعي الأفراد.
وبالنسبة للأسباب الخارجية التي تؤثر في هدم الأسرة، سيأتي الكلام عنها في المقالة التالية.
د. شفاء علي الفقيه