حصريا

مقاصد لباس المسلمة-د.فتيحة محمد بوشعالة-الجزائر-

0 860

مقاصد لباس المسلمة

بقلم أ.د. فتيحة محمد بوشعالة

فلسفة الإسلام في زي المرأة على النقيض من فلسفة الحضارة الغربية.

المرأة في الغرب تلبس لتكون جذابة، لتثير الاهتمام (pour etre sexy)- (to be sexy)  ) هذا في زمن الحداثة، اما في زمن ما بعد النسوية، فصار الهدف (ألبس لأرضي نفسي فقط) بمعنى صارت المرأة الغربية لا تقيم وزنا للرجل بقدر ما تتمحور حول ذاتها.

فإذا كانت نية المتحجبة لفت الانتباه بلباسها فلا فرق بينها وبين الغربية، حيث لباسها لم يعد شرعيا وإن كان يغطي جسدها، إذ العبرة بالنوايا والمقاصد.

في حين فلسفة الزي عندنا مغايرة تماما، حيث تلبس المسلمة طاعة لربها، لتعف نفسها والمجتمع، لتحمي نفسها وتحمي المجتمع. ولتبعد عنها النظرات وتصرف عنها الأذىﱠ  ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمً) الأحزاب: ٥٩

الإدناء هو الوضع واللبس والإرخاء، والجلباب في أشهر أقوال أهل اللغة والتفسير هو اللباس الساتر لسائر البدن.

ولقد قرأت ما يربو على ثلاثين تفسيرا للآية فخرجت بنتيجة مفادها أن جل المفسرين –إن لم نقل الكل- تكلموا في تفسيرها من منطلق واقعهم وبيئاتهم وثقافتهم في ظل غياب نص يشرحها من قرآن أو سنة ثابتة. وهم معذورون فالإنسان ابن بيئته.

ولكن الخطأ أن نستصحب كل تلك التفاسير والرؤى إلى واقعنا ونسقطها إسقاطا فيه إجحاف في حق نساء عصرنا، وفوق ذلك نلزم الناس به على أن هذا هو الدين.

المولى عز وجل قال  (ﲔ  ﲕ ﲖ ﲗ) لم يفصل كيف يكون هذا اللباس من حيث اللون ولا الشكل ولا المقاس، لم يتحدث عن التفاصيل، لأنه سبحانه هو الحكيم الخبير العليم، يعلم تغاير الزمان والمكان والبيئات واختلاف الشعوب في عاداتها وثقافاتها، فترك التفاصيل لذلك. ما روعيت الضوابط.

فيفهم من عموم الآية الأمر بالستر والتعفف، يفهم منها مجتمعة مع آية الخمار وجوب تغطية المرأة لجسدها رأسا وبدنا، لمقصد واضح وجلي وهو في الوقت ذاته الضابط في الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها هذا اللباس. فقال الحق تبارك وتعالى: (ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ  ﲡ ﲢ ﲣ)

(ذلك) للتعليل، أي وسبب الأمر بالستر هو (ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ)

بمعنى  أن المقصد من هذا الأمر بالستر هو الحفاظ على المسلمة وحمايتها من أذى الناس، إذا كان لباسها يؤدي هذا الغرض فهو الشرعي ( ما وافق ما جاء في القرآن والسنة الثابتة).

(يُعرفن) بمعنى أن تُعرف المرأة حين تمر في الطريق بزيّها وشكلها في لباسها أنها مطيعة لربها، أنها العفيفة الطاهرة المحتشمة، الحرة، بنت الكرام. فلا يقربها أذى .، عكس المبتذلة التي تعرف من شكلها، ويكون لباسها مدعاة للاعتداء عليها بالقول والفعل.

لما يراك الناس بلباس يغطي رأسك وجسدك وفق ما نص عليه القرآن والسنة الثابتة، مع حياء وعفة تصلهم رسالة منك دون أن تتكلمي فحواها: أنا الطائعة لربها بلباسي، الملتزمة بأمره، المتبعة لسنة نبيه، لا أقبل الابتذال وكلام السوء ونظرة السوء.

(يُعرفن) لباسها عنوان لها، وتعريف جامع مانع لشخصيتها.

أما التفاصيل التي وضعها البشر ودققوا فيها وشددوا على المرأة بها، فما أنزل الله بها من سلطان، (شددوا فشدد الله عليهم).

يقول المثل الفرنسي (إن الشيطان في التفاصيل) le diable est dans les details بمعنى الفتنة والشر يكون في التفصيل فيما لم يفصله الشرع والبحث عن دقائق الأمور مما سكت عنها الشارع الحكيم ﱡﱠ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم ) المائدة: ١٠١

وذلك مثل ما فعلت يهود حول موضوع البقرة، يقول الطبري: ” وقوله: (يبين لنا ما هي) ، خبر من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة. وذلك أنهم لو كانوا، إذ أمروا بذبح البقرة، ذبحوا أيتها تيسرت مما يقع عليه اسم بقرة، كانت عنهم مجزئة، ولم يكن عليهم غيرها، لأنهم لم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة. فلما سألوا بيانها بأي صفة هي، بين لهم أنها بسن من الأسنان دون سن سائر الأسنان، فقيل لهم: هي عوان بين الفارض والبكر والضرع. فكانوا – إذْ بينت لهم سنها- لو ذبحوا أدنى بقرة بالسن التي بينت لهم، كانت عنهم مجزئة، لأنهم لم يكونوا كلفوها بغير السن التي حدت لهم، ولا كانوا حصروا على لون منها دون لون. فلما أبوا إلا أن تكون معرفة لهم بنعوتها، مبينة بحدودها التي تفرق بينها وبين سائر بهائم الأرض، فشددوا على أنفسهم  – شدد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه. ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته: –

-“ذروني ما تركتكم، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم”. [1]

فالفتنة كل الفتنة في التضييق على الناس بتعاليم ما لأنزل الله من سلطان.

لست ملزمة أيتها المسلمة بزي موحد، فقط البسي ما يتوفر فيه ضابط الرحمن (ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ  ﲡ ﲢ ﲣ).

(أدنى) معناها أقل وأقرب  شيء يحفظك من الأذى هو هذا اللباس، فإذا أضفت له الحياء والحشمة  وغض البصر وخفض الصوت، فقد حزت كل روافد الطاعة والعصمة والحفظ والصيانة لنفسك ولمجتمعك، ولأمتك.

لباسك آية تمشي على الأرض، لا بد ان يعكس ورعك وتقواك وخوفك من الله وامتثالك لأمره، فإذا كان كذلك فهو الذي يتحقق فيه قوله تعالى (ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞﲟ ﲠ  ﲡ ﲢ ﲣ). فكل ما يثير الانتباه ويلفت العيون اجتنبيه ( الضيّق، الشفاف، الألوان الفاقعة، القصير الكاشف، المخصر….).  وقد يكون المثير للانتباه في مكان غير مثير في مكان آخر، بحسب الأعراف والعادات، فلا يصلح التعميم، ولهذا ترك الله الحكيم تعداد تلك الأوصاف، وضبطها بضابط يكون هو المعول عليه في أي لباس (ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ).

وقد يثير الانتباه ما لا تحسبينه أنت كذلك، فعليك توخي ذلك  وملاحظته، هذا هو الورع.

وليس معنى الورع والتقوى أن تبدو المسلمة مبتذلة قبيحة، بل إن الله جميل يحب الجمال، بل عليها أن تجمل مظهرها في حدود الشرع بنية الترغيب في دين الله، وإعطاء صورة حسنة عن الإسلام بزيها، وهذه نية تؤجر عليها.

على المسلمة أن تكون شامة في الناس بمظهرها، بأخلاقها بسلوكها، عليها أن تكون سفيرة هذا الدين تدعو إليه دون أن تنبس ببنت شفة.

 

 

[1] – تفسير الطبري، جامع البيان ،ت شاكر،  (2/ 203).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page