حكم تعليق الزوجة في الفقه وقانون الأسرة الجزائري
د. الزهرة هراوة/ الجزائر
مقدمة
من مقاصد الزواج السكن والمودة والرحمة بين الزوجين، لتنشئة أسرة مبينة على الأمن والاستقراروالحب والتفاهم والاحترام.
وإن حدث واختلت تلك المقاصد وصارت الحياة الزوجية مستحيلة أمكن للزوج من حل الرابطة الزوجية بالطلاق أو للزوجة عن طرق الخلع، لكن قد يقوم الزوج أحيانا بتعليق زوجته؛ فلا هي مطلقة وقد تحررت منه، ولا هي زوجته تنال حقوقها المشروعة، وقد يطول التعليق لسنوات عدة فلا تجد الزوجة أمامها من حل خاصة في غياب الوعي للزوجين والخوف من المجتمع وأحكامه الاستباقية السلبية على الزوجة المعلقة. فإن صرحت بالمشكلة لغيرها قد تتفاقم ويزداد الأمر سوءا، وإن كتمت أمرها آذت نفسها وأضاعت حقوقها الشخصية؛ متمثلة في العيش حياة زوجية طبيعية أو الطلاق والتحرر من زوج معتد قد أضرها ومنع عنها حقوقها.
مما يطرح الإشكالية التالية: ما المقصود بتعليق الزوجة؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى تعليق ذلك؟ وما الحكم الشرعي له في الفقه وقانون الأسرة الجزائري؟
يتطرق البحث إلى التعرف على هذه الظاهرة وأسبابها وكيفية مواجهتها والحلول الممكنة. والتعرف على حكمها في الفقه وفي التشريع الجزائري وفي قانون الأسرة الجزائري.
المبحث الأول: مفهوم تعليق الزوجة
نتطرق في هذا المبحث التعرف على مفهوم تعليق الزوجة، وتمييزه عن الطلاق المعلق، وأشكاله وأنواعه.
المطلب الأول: مفهوم تعليق الزوجة
تعريف تعليق الزوجة لغة: عند ابن منظور: المعلقة من النساء: التي فقدت زوجها قال الله تعالى: “فتذورها كالمعلقة” وفي التهذيب: وقال تعالى في المرأة التي لا ينصفها زوجها ولم يخل سبيلها: فتذروها كالمعلقة فهي لا أيم ولا ذات بعل، وفي حديث أم زرع: إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق، أي يتركني كالمعلقة، لا ممسكة ولا مطلقة[1].
وفي معجم اللغة العربية المعاصرة: امرأة معلقة: لا يعاشرها زوجها ولا يطلقها، أو التي فقدت زوجها فهي لا متزوجة ولا مطلقة ((فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة))[2]
وقال طاهر ابن عاشور –رحمه الله- عن المعلقة: “المعلقة هي المرأة التي يهجرها زوجها هجرا طويلا، فلا هي مطلقة ولا هي زوجة، وفي حديث أم زرع : “زوجي العشنَّق إن أنطق أُطَلَّق وإن أسكُتْ أعَلَّق”.
وقالت ابنة الحمّأرس:
إن هي إلا حظة أو تطليق **** أو صلف أو بين ذلك تعليق.
((هذا الرجز منسوب لامرأة يقال لها ابنة الحمارس (بضم الحاء وتخفيف الميم) البكرية وفي وراية: إن هي إلا حظوة، وهي رواية إصلاح المنطق والحظة (بكسر الحاء) والحظوة (بضم الحاء وكسرها) المكانة والقبول عند الزوج والصلف ضدها ، والتعليق الهجران المستمر، والضمير في قولها إن هي، يعود إلى المرأة، ومعنى البيت إذا تزوجت لا تدري أتكون ذات حظوة عند الزوج أو يطلقها أو يكرهها أو يعلقها[3].
اصطلاحا: منع الزوجة من حقوقها المشروعة؛ فلا هي زوجة لها كامل الحقوق، ولا هي مطلقة تستطيع أن تبحث عن زوج مناسب، هذا ما يسمى تعليق الزوجة الذي هو نوع من العضل والإضرار[4].
إذ يعتبر التعليق من صور العنف ضد المرأة، هذه الظاهرة التي أخذت تداهم المجتمعات العربية بشكل عام، وهي لا تستند إلى دين أو عرف أو قانون، إنما حالة من حالات العنف والانتقام والرغبة في تأديب الزوجة بأسلوب قاس لا ينم عن رحمة أو شفقة بحيث يترك البعض زوجاتهم لا هن مطلقات يتمتعن بالحرية والقدرة على الزواج من رجل آخر ولا هن يتمتعن بميزات الحياة الزوجية بمفهومها العام، بهذا التصرف الذي يعتبره البعض بسيطا وتلقائيا تصبح هذه المرأة في وضع غير إنساني لأنها افتقدت حريتها في أن تعيش حياتها كامرأة متزوجة أو حتى كمطلقة.[5]
تمييز تعليق الزوجة عن الطلاق المعلق
بعد التعرف على مفهوم تعليق الزوجة، لا بد من تمييزه عن الطلاق المعلق.
صيغة الطلاق: إما أن تكون منجزة، وإما أن تكون معلقة، فالمنجزة هي الصيغة التي ليست معلقة على شرط، ولا مضافة إلى زمن مستقبل، بل قصد بها من أصدرها وقوع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته أنت طالق.. وحكم الطلاق أنه يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلا له.
وأما المعلق وهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلقا على شرط، مثل أن يقول الزوج لزوجته: إن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق[6]
والتعليق نوعان:
النوع الأول: يقصد به ما يقصد من القسم للحمل على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر، ويسمى التعليق القسمي، مثل يقول لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، مريدا بذلك منعها من الخروج إذا خرجت.
النوع الثاني: ويكون القصد منه إيقاع الطلاق عند حصول الشرط، ويسمى التعليق الشرطي، مثل أن يقول لزوجته: “إن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق”
وهذا التعليق بنوعيه واقع عند جمهور العلماء”[7].
أما عند ابن حزم فقد قال الغزالي –رحمه الله تعالى- ” لقد رفض ابن حزم جميع أنواع الطلاق المعلق، واضطر المشرع في مصر من ستين سنة خلت إلى التدخل لوقف هذا البلاء، فوضع هذه المادة: “لا يقع الطلاق غير المنجزّ إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير”.
وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة: إن المشرع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية والمالكية والشافعية، وأنه أخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي على بن أبي طالب وشريح القاضي وداود الظاهري وأصحابه[8].
المطلب الثاني: أشكال التعليق وأنواعه
وهناك أنواع وأشكال لهذا التعليق منه :
- أن المرأة تطلب الطلاق من زوجها أو الاختلاع منه فيرفض الزوج طلاقها، فيتركها معلقة، إما أنه يريدها ولكن ترفضه بشدة لسوء معاملته لها، أو انتقاماً منها. بأن تكون المرأة راغبة عن الرجل لا تريده، فيعلقها انتقاما منها. وليعلم من هذا حاله أن القلوب بيد الله تعالى، وهو من يملؤها حبا أو بغضا، فلا يُكرهها أو ينتقم منها على ما لا تملك، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ» رواه أَبُو دَاوُدَ. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك قلبه فغيره من باب أولى، وقلب المرأة أضعف من قلب الرجل، فليعذرها في رغبتها عنه؛ فلن تسارع المرأة إلى هدم بيتها بيديها، ومفارقة بعلها باختيارها؛ لأن الضرر الأكبر بالطلاق واقع عليها، لولا أنها عجزت عن قلبها أن يطاوعها على زوجها، والرجل الكريم هو الذي إذا رغبت المرأة عنه رغب هو عنها، وفارقها ولو كان يحبها، وحري أن يعوضه الله تعالى أحسن منها، ويشفي قلبه من تعلقه بها، ولما رغبت امرأة ثابت بن قيس عنه، وأصرت على ذلك قَالَ لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» رواه البخاري.
- أن يكون للزوج امرأتان فيميل إلى إحداهن، ويترك الأخرى دون نفقة عليها هي وأولادها، مع الغياب عنها طويلاً. أي أن يتزوج الرجل بأخرى فينسى الأولى، أو لا تعجبه الثانية فيرجع للأولى وينسى الثانية، أو ينصرف إلى إحدى زوجاته دون غيرها، ولمظنة وقوع ذلك بين المعددين أكثر من غيرهم حذرهم الله تعالى من ذلك﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ ﴾ [النساء:129] قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في معنى المعلقة: «لَا مُطَلَّقَةٌ وَلا ذَاتُ بَعْلٍ». والواجب على المعددين أن يتقوا الله تعالى في زوجاتهم، وأن يتحروا العدل بينهن، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» رواه أبو داود. ومن الرجال من يترك زوجته كالمعلقة، فلا يعطيها وأولادها من النفقة ما يكفيهم، إما لبخله، وإما لإهداره المال على نفسه ورفقته، فيضيع من يعول؛ وقد قَالَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» رواه أبو داود«
- ومن الرجال من ينفق على زوجه وولده ولكنه لا يعاشر امرأته ولا يجالسها، ولا يعطيها حقوقها في العطف والحنان والفراش مع قدرته على ذلك، فيتخذ خليلات سواها -والعياذ بالله من ذلك- أو يتخذ رفقة يسامرهم كل ليلة، ويترك مسامرة زوجته، وقد تكون حاجتها لذلك أشد من حاجتها للمال والنفقة، فهذا تعليق لها[9].
- أن تكون للزوج عشيقة أو امرأة أخرى يريد الزواج منها فترفض زوجته هذه العلاقة فيتركها معلقة انتقاماً منها .
- أن يكون الزوج بخيلا وحينما تطالبه الزوجة بحقها وحق أولادها في النفقة الشرعية يتركها معلقة[10].
المبحث الثاني: حكم تعليق الزوجة في الفقه وقانون الأسرة الجزائري
بعد تعرفنا على تعليق الزوجة وتمييزه عن الطلاق المعلق وتطرقت الدراسة إلى معرفة أشكال التعليق نتطرق في هذا المبحث إلى التعرف على حكم تعليق الزوجة في الفقه والقانون.
المطلب الأول حكم تعليق الزوجة في الفقه:
إن التعليق نوع من العضل والإضرار وهذا محرم شرعاً، والله سبحانه وتعالى نهى عن عضل الزوجة ونهى عن الإضرار بها، وأرشدنا إلى الامساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، كما قال جلّ وعلا: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}، فهذه الآية تدل على منع العضل ومنع التعليق. ولهذا جاء في الآية الأخرى في قول الله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}.. فهنا التعليق اضرار بالزوجة وسماه اعتداء عليها وسماه ذلاً لها، فهو محرم شرعاً، ولاشك أن التحريم دلّ عليه الكتاب والسنة، فمن الكتاب دلت عليه الآية السابقة ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».[11]
ومن أسباب التعليق: النشوز، الإعراض، منع الزوجة حقها، الهجر في المضجع، الغياب… ويتم سردها ببعض التفصيل:
أولا النشوز: ويعتبر النشوز من أهم أسباب تعليق الزوجة، والنشوز قد يكون من الزوجة وقد يكون من الزوج.
النشوز لغة: يتساءل الشعراوي رحمه الله عن النشوز قائلا: ما النشوز؟ عندما نسمع عن الموسيقى نجد من يقول: هذه نغمة نشاز أي أنها نغمة خرجت عن تسلسل النغم وإيقاعه، والأصل فيها مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع وظهر من الأرض، والمفروض في الأرض أن تكون مبسوطة، فإن وجدنا فيها نتوءا فهذا اسمه نشوز[12].
النشوز اصطلاحا من التعريفات العامة للنشوز سواء تعلق بالرجل أو المرأة: هو كراهية كل واحد منهما صاحبه وترفع كل منهما عن الزوج الآخر وإعراضه عليه وجفوته له مما يؤدي إلى إثارة غضبه وعداوته ويصبح تفاعلهما سلبيا.
تعريف نشوز الزوج وإعراضه: وهو ترفع الزوج على زوجته وتجافيه عنها، وذلك بأن يمنع نفسه عنها، ونفقته عليها وعدم معاملته لها بالمودة والرحمة[13].
أسباب نشوز الرجل
- سوء المعاشرة من قبل الزوجة فأساس علاقة الزوجة بزوجها هي احترامه وطاعته بالمعروف، وذلك بقيامها بواجباتها نحوه، بكل احترام وتقدير له، فإهمال الزوجة واجباتها نحو زوجها قد تؤدي إلى نشوزه وإعراضه عنها.
- انقطاع الحوار والتفاهم بين الزوجين (الطلاق النفسي) فانقطاع الحوار والتفاهم بين الزوجين من أسباب نشوز الزوج وتمرده على الحياة الزوجية
- كبر سن الزوجة وعجزها عن قيامها بشؤونه، فهذا سبب لا دخل للمرأة فيه ولكن قد يؤدي إلى نشوز الزوج وخاصة إذا كان لا يزال يتمتع بصحته وعافيته وماله.
- الشجار والمشاكسات بينهما فقد يكون متزوجا أكثر من امرأة فتكثر المشاكل والمشاكسات بينهن مما يدفعه إلى الميل لإحداهما أو الابتعاد عنهما معا
- عدم الإنجاب قد يكون سببا ككونها عقيما.
- إنجاب البنات دون الذكور: فالكثير من الرجال يعتقد بأن المرأة هي المسؤولة عن جنس الجنين ذكرا أو أنثى ولذلك عليها أن تتحمل مسؤولية إنجابها للبنات
- وجود مشكل مادي كطمع الرجل براتب زوجته، فيؤدي به ذلك إلى التهاون في حقوقها أو إهانتها ولا تتنازل هي أيضا عن حقها فيقع النشوز.
من صور النشوز
- معاملته لها بالجفاء والقسوة: كأن يغلظ لها في القول، أو يناديها باسم لا ترضاه، أو اسم محرم أو يشتمها أو يشتم أهلها، أو يهينها بمفردها أو أمام غيرها.
- هجره في المضجع بلا مبرر مقنع كأن يترك غرفة نومهما وينام في غرفة أخرى، أو عدم دخوله للبيت إلا في ساعة متأخرة من الليل أو نومه خارج البيت مع أصدقائه
- التضييق عليها إما بعدم الإنفاق عليها ما يكفيها هي وأولادها ككونه بخيلا، أو عدم السماح لها بزيارة أهلها حسب عادة الناس وعرفهم، أو كان أهلها في حاجة لزيارتها ككون الأبوين مريضين أو أحدهما.
- إغضابها وإثارة غيرتها وذلك بذكر محاسن النساء على مسمعها، أو تهديدها بالزواج عليها مما يسبب لها إيذاء نفسيا وهو ليس في حاجة لذلك حيث كانت تقوم بواجباتها الشرعية نحوه[14].
يقول سيد سابق: إذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها إما لمرضها أو لكبر سنها، أو لدمامة وجهها، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما، ولو كان في الصلح تنازل الزوجة عن بعض حقوقها ترضية لزوجها[15].
أما الشوكاني: فيرى: “ان امرأة خافت من بعلها نشوزا” دوام النشوز: قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد والإعراض أن لا يكلمها، ولا يأنس بها، وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز، أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي سيأتي، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة أو بعضها، أو بعض النفقة أو بعض المهر. وقوله ان يصالحا” والصلح خير لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف عير على الإطلاق وخير من الفرقة أو من الخصومة.
وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني، والبيهقي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية، وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا،” الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء ، فهو جائز، وأخرج أبو داود والحاكم وصححه ، والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة، وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت الرجل تكون عند المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ، فنزلت هذه الآية وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن سلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرا، إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا، وجرت السنة بذلك.[16]
أما الشعراوي رحمه الله يقول: إن خافت امرأة من بعلها نشوزا، وما الخوف؟ هو توقع أمر محزن، أو مسيء، لم يحدث بعد ولكن الإنسان ينتظره، وحين يخاف الإنسان فهو يتوقع حدوث الأمر السيء. وهكذا نجد أن الخوف هو توقع ما يمكن أن يكون متعبا، وقوله الحق: “وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا”. أي أن النشوز لم يحدث ولكن المرأة تخاف أن يحدث، ورتب الحق الحكم على مجرد الخوف من النشوز لا حدوث النشوز بالفعل، وهذه لفتة لكل منا ألا يترك المسائل حتى تقع، بل عليه أن يتلافى أسبابها قبل أن تقع؛ لأنها إن وقعت ربما استعصى عليه تداركها وإن رأت المرأة بعضا من ملامح نشوز الزوج فعليها أن تعالج الأمر.[17]
ثانيا الإعراض:
يعني أنه لم ينشز بعد، ولكنه لا يؤانس زوجته ولا يحدثها ولا يلاطفها على الرغم من أن يعطيها كل حقوقها، وعلى المرأة أن تعالج هذه المسألة أيضا.
والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينهي هذا الخلاف قبل أن يقع؛ لذلك أوجب على المرأة أن تبحث عن سبب النشوز وسبب الإعراض، وأن يدور الصلح بين الرجل وزوجته، وهي مهمة الرجل كما أنها مهمة المرأة.
فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما والصلح خير والصلح هنا مهمة الاثنين معا، لأن كل مشكلة لا تتعدى الرجل والمرأة يكون حلها يسيرا، والذي يجعل المشكلات صعبة هم هؤلاء الذين يتدخلون في العلاقة بين الرجل والمرأة، والرجل قد يختلف مع المرأة ويخرج من المنزل ويعود، فتقول له الزوجة كلمة تنهي الخلاف، لكن إن تدخل أحد الأقارب فالمشكلة قد تتعقد من تدخل من لا يملك سببا أو دافعا لحل المشكلة.[18]
إننا في بعض الأحيان نجد الصلح يأخذ شكلية الصلح، أما موضوع الصلح، وهو إنهاء الجفوة والمواجيد النفسية فقد لا يوجد، والذي يعرقل الصلح هو أننا نقوم بالشكلية ولا نعالج الأسباب الحقيقية المدفونة في النفوس، والتي تتسرب إلى موضوعات أخرى، لذلك يجب أن يكون الصلح، ويتم بحقيقته كقوله تعالى: “أن يصلحا بينهما والصلح خير” وعندما تتراضى النفوس يعم الخير على الزوجين معا وعلى المجتمع..[19]
إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله: “وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته”. وفي قوله يغن الله من سعته إشارة إلى أن الفراق قد يكون خيرا لهما لأن الفراق خير من سوء المعاشرة، ومعنى إغناء الله كلاًّ: إغناؤه عن الآخر، وفي الآية إشارة إلى أن إغناء الله كلا إنما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح وقوله: “وكان الله واسعا حكيما” تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء.[20]
ويرى الشيخ حماني رحمه الله في مسألة الزوجة المعلقة: يمكن للزوجة أن تثبت الضرر إذا هجرها في الفراش –إضرارا بها- أكثر من أربعة أشهر، أو أهمل الإنفاق عليها وكسوتها، أو ضربها، أو شتمها، أو هجرها، فإذا ثبت ذلك منه، فإن القاضي يأمره بأن يفيء، ويضرب له أجلا، فإن فاء فهي زوجته، وإن أبى طلقها القاضي عليه، أو أمرها أن تطلق نفسها، وتعتد، ثم تتزوج بعد انقضاء عدتها.[21]وقال الدكتور محمود شلبي، مدير إدارة الفتاوى الهاتفية، وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الله – سبحانه وتعالى- نهى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم من أجل الإضرار بهن، قال تعالى-: « وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْءَايَٰتِٱللَّهِ هُزُوًا.. ۚ»، [البقرة: 231]
وأوضح شلبي» أن إمساك الزوج لزوجته ورفضه طلاقها وإعطائها حقوقها من الاعتناء والرعاية والإنفاق؛ خطأ كبير ولا يجوز شرعًا، لقوله – سبحانه- « وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا»، [النساء: 129][22].
ثالثامنع زوجته حقها:
لو منع الزوج زوجته حقا لها كقسم ونفقة ألزمه القاضي توفيته، وإذا طلبته لعجزها عنه، فإن أساء خلقه وآذاها بضرب أو غيره بلا سبب نهاه عن ذلك ولا يعزره، فإن عاد إليه وطلبت تعزيره من القاضي عزره بما يليق به لتعديه عليها، وإنما لم يعزره في المرة الأولى وإن كان القياس جوازه إذا طلبته لأن إساءة الخلق تكثر بين الزوجين والتعزير عليها يورث وحشة بينهما فيقتصر أولا على النهي لعل الحال يلتئم بينهما. فإن عاد عزره، وإن قال كل من الزوجين إن صاحبه متعدي عليه، تعرف القاضي الحال الواقع بينهما بثقة بخبرهما، ويكون الثقة جارا لهما، فإن عدم أسكنهما بجنب ثقة يتعرف حالهما ثم ينهي إليه ما يعرفه فإذا تبين للقاضي حالهما منع الظالم منهما من عوده لظلمه، فإن اشتد الشقاق بينهما بعث القاضي حكما من أهله وحكما من أهلها لينظرا في أمرهما، والبعث واجب من أهلهما سنة، وهما وكيلان لهما لا حكمان من جهة الحاكم فيوكل هو حكمه بطلاق أو خلع، وتوكل هي حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به، ويفرقا بينهما إن رأياه صوابا ويشترط فيهما إسلام وحرية وعدالة واهتداء إلى المقصود من بعثهما له وإنما اشترط فيما ذلك –مع أنهما وكيلان- لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه ويسن كونهما ذكرين فإن اختل رأيهما بعث القاضي غيرهما حتى يجتمعان على شيء فإن لم يرض الزوجان ببعث الحكمين ولم يتفقا أدب القاضي الظالم منهما واستوفى للمظلوم حقه.[23]
رابعا الهجر في المضجع فوق أربعة أشهر: ويقصد بالهجر الترك والقطعية قال الراغب مفارقة الإنسان غيره، سواء أكان ذلك بالبدن أو باللسان أو بالقلب[24] (وهجر زوجته اعتزلها ولم يطلقها).
خامساالغياب: من أهداف الحياة الزوجية المعاشرة بالمعروف وحسن التعامل بين الزوجين لحفظ استقرار الأسرة، واستدامة استمرارها وباعتبار الزوج هو رب الأسرة والمسؤول عن رعايتها وحمايتها، فإن غيابه بدون عذر شرعي يعد سببا في اضطراب الأسرة وانعدام استقرارها.
ومعنى الغيبة بفتح الغين هي البعد حيث يقال غاب الشيء يغيب غيبت وغيبة إذا بعد، والغيبة بكسر الغين هي ذكر الشخص بما يكره من العيوب التي فيه
والزوج الغائب هو الذي يغيب عن مسكن الزوجية أكثر من سنة دون عذر ودون ترك نفقة لأسرته.[25]
وقد اختلف الفقهاء في حكم التفريق بين الزوجين للغيبة بين مجيز ومانع:
القول الأول ذهب الحنفية والشافعية في الجديد والحنابلة في أحد قوليهم[26] والظاهرية إلى عدم جواز التفريق ين الزوجين حتى يتحقق موته، أو يمضي من الزمن الذي لا يعيش لمثله غالبا، إذا ترك لها ما تنفق على نفسها منه، فلا حق لها في طلب التفريق بسبب الغياب مهما طالت مدته، وذلك باعتبارهم أن استدامة الوطء قضاء حق للرجل فقط، أما حقها في ذلك يتحقق بالمرة الواحدة وقد استوفتها ومن ثم فإن ترك وطئها حاضرا أو غائبا لا يعتبر سببا لطلب التفريق عندهم ما دام أنه ترك لها ما تنفق على نفسها منه.
القول الثاني: وهو للحنابلة والمالكية؛ حيث ذهب الحنابلة في قولهم الثاني وهو الأظهر إلى جواز طلب الزوجة التطليق من الزوج الغائب بدون عذر مقبول يمنعه من الرجوع، وذلك لكون استدامة الوطء يعتبر حقا واجبا لها على زوجها قضاء، ما لم يكن له عذر مانع من ذلك، كمرض أو غيره، وعليه إذا غاب الزوج عن زوجته كان لها الحق في طلب التفريق منه للضرر الذي لحقا بسبب غيابه، حيث يأمرها القاضي بانتظار أربع سنين للبحث عنه وبعد مرور هذه المدة ولم يظهر عليه أي خبر أمرها القاضي أن تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا[27].
المطلب الثاني حكم تعليق الزوجة في قانون الأسرة الجزائري
تطرقنا إلى أسباب التعليق منها: نشوز الزوج، وإعراضه، غيابه دون عذر ولا مبرر، عدم الإنفاق على زوجته وأولاده..
كل هذه الأسباب وغيرها تسبب تعليق الزوجة التي تضطر للصبر حينا أو لرفع تظلمها لدى القضاء لإنهاء الرابطة الزوجية بالتطليق للضرر وهذا ما نص عليه ق الأسرة الجزائري في المادة 53 من ق أ ج.
ولم يتطرق المشرع الجزائري إلى تعليق الزوجة بصريح العبارة وإنما أشار إلى ذلك ضمنيا في قانون الأسرة في المادتين 53 و55 منه، وكذا في قانون العقوبات في مادة 330 و331، ومنه وسيأتي التفصيل عن تلك الإشارة.
- ففي المادة 53 من قانون الأسرة تطرق المشرع الجزائري إلى أسباب التطليق وذكر منها هجر الزوج لزوجته أكثر من أربعة أشهر وغياب الزوج بدون عذر وكل ضرر معتبر شرعا.[28]
ولم يذكر تفصيلا ولا توضيحا عن الزوجة المعلقة وإنما أعطى حلا لها متمثلا في طلب التطليق وهذا يصعب على الزوجة أن تثبت هذه الأسباب إلا نادرا فيضطرها الأمر إلى اللجوء إلى الخلع. وان استطاعت لجأت إلى طلب التطليق؛ هذه تبين ضمنيا إلى تعليق الزوجة فإن ثبت أن الزوج هجر زوجته لأكثر من أربعة أشهر وغياب دام بدون عذر ولا نفقة وأما كل ضرر معتبر شرعا ففيه ضمنيا تعليق الزوجة.
وقد أجاز المشرع للزوجة أن تطلب التطليق من زوجها إذا هجرها بناء على الشروط التالية:
- أن يكون الهجر متعمدا ومقصودا لذاته، لا مبرر له شرعا ولا قانونا، وهو المسمى الهجر غير المشروع، لتجاوزه الحد الذي شرع له.
- أن يتجاوز الهجر الأربعة الأشهر متتالية دون وقوع اتصال بينهما في هذه المدة رغم كونهما يبيتان على فراش واحد، والهجر بهذا الشكل يعتبر دليلا على أنه ليس الهدف منه الإصلاح؛ لأن استمراره واستغراقه كل هذه المدة المحددة له شرعا دليل على فقد المقصد منه وهو تأديب الزوجة وإرجاعها إلى رشدها وطاعة زوجها حفاظا على الحياة الزوجية من التفكك[29].
إضافة إلى المادة 55 التي تحدث فيها المشرع عن نشوز أحد الزوجين وحكم القاضي بالطلاق وتعويض المتضرر
في هذه المادة قد ذكر المشرع نشوز أحد الزوجين ومنه نشوز الزوج الذي يعد سببا من أسباب تعليق الزوجة؛ لذا فيرى أن بعد استنفاذ محاولات الصلح يحكم القاضي بالطلاق وتعويض الطرف المتضرر.
ذكر دلك في المادة 53 مكرر يجوز للقاضي في حالة الحكم بالتطليق أن يحكم للمطلقة بالتعويض عن الضرر اللاحق بها، وذلك إذا استطاعت أن تثبت ما تدعيه من أسباب وإثبات ما حصل لها من ضرر مادي أو معنوي.
وكذا المادة 55 التي نصت على ما يلي : “عند نشوز أحد الزوجين يحكم القاضي بالطلاق وبالتعويض للطرف المتضرر، إذا أثبتت المرأة لحوق الضرر بها، فيتعين على القاضي الحكم لها بالتعويض، وهو ما قضت به المحكمة العليا في قراراها الصادر بتاريخ 19/05/1998: “إن امتناع الزوجة عن الرجوع إلى بيت الزوجية بعد إهانتها من الزوج لا يعتبر نشوزا ومتى تبين –في قضية الحال- أن المطعون ضده قد سبق وأن رفع دعوى طلاق الطاعنة على اعتبار أنها مريضة عقليا ثم تراجع عن ذلك وطلب رجوعها من جديد ليتجنب مسؤولية الطلاق، فإن امتناع الطاعنة عن الرجوع بعد إهانتها لا يعتبر نشوزا، وعليه فإن قضاة الموضوع لما قضوا بتأييد حكم المحكمة القاضي بالطلاق وتعويض الزوج لنشوز زوجته دون مناقشة الدفع الذي أثارته الطاعنة فبقضائهم كما فعلوا خالفوا القانون وخاصة أحكام المادة 55 من قانون الأسرة.[30]
إذا حصل من الزوج ظلم وتعنت ورفض الصلح، وكان منه تقصير في حقوق زوجته فلا يسوغ لها شرعا النشوز وترك طاعته أو ضربه أو التعدي عليه، لأن الواجب عليها لا يسقط عنها مهما قصر الزوج، وينبغي لها أن تتخذ الخطوات الآتية:
- أن تعظه بالله وتذكره بحقوقها وأن ذمته مشغولة بذلك.
- فإن لم يستجب وسطت بينهما رجلا حكيما منم أهل الخير والأمانة ينصحه ويتفاهم معه وليكن برفق دون تشهير به.
- فإن لم يستجب رفعت أمره للقاضي، وطالبت بحقوقها ونظر القاضي بالأصلح من فسخ أو طلاق أو خلع، وتكون بذلك مستحقة للتعويض كونها الطرف المتضرر بالطلاق[31]. طبقا للمادة 55 من قانون الأسرة التي نصت على ما يلي: عند نشوز أحد الزوجين يحكم القاضي بالطلاق وبالتعويض للطرف المتضرر.”
- أذا نشز زوجها وامتنع عن النفقة لها أن تطالبه بها، فإن تمادى فلها الحق أن ترفع دعوى قضائية عليه لإجباره على الانفاق، كما لها الحق أيضا أن تطالبه بالرجوع إلى العائلة، وإن أصر على الهجر لها أن ترفع دعوى قضائية بسبب الإهمال العائلي المعاقب عليه طبقا للمادتين 330 و331 من قانون العقوبات، حيث نصت هذه المادة في فقرتها الثانية على أنه يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر، وبغرامة مالية من 50.000 إلى 200.000 دج أحد الوالدين الذي يترك مقر أسرته لمدة تتجاوز الشهرين ويتخلى عن كافة التزاماته الأدبية أو المادية المترتبة عن السلطة الأبوية… وذلك بغير سبب جدي، ولا تنقطع مدة شهرين إلا بالعودة إلى مقر الأسرة على وضع ينبئ عن الرغبة في استئناف الحياة العائلية بصفة نهائية، الزوج الذي يتخلى عمدا ولمدة تتجاوز الشهرين عن زوجته وذلك لغير سبب جدي.
بالنسبة لعدم الإنفاق: نصت المادة 331 على أنه يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى 3 سنوت وبغرامة مالية من 50.000 إلى 300.000 دج كل من امتنع عمدا ولمدة تتجاوز الشهرين عن تقديم المبالغ المقررة قضاء لإعالة أسرته وعن أداء كامل قيمة النفقة المقررة عليه إلى زوجه[32]“.
- أما في قانون العقوبات – بالنسبة للإهمال- فقد عاقب المشرع الجزائري في مادة 330 كل زوج يهمل زوجته بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين وبغرامة مالية من 50.000دج إلى 200.000 دج. ولقيام هذه الجريمة ومتابعة الزوج بها يكفي توافر العناصر التالية:
- قيام الرابطة الزوجية بعقد صحيح ومسجل في سجلات الحالة المدنية
- التخلي عن الزوجة وإهمالها عمدا.
- تجاوز مدة الإهمال للشهرين دون وجود سبب جدي…
وفي الفقرة الأخيرة من المادة 330 من قانون العقوبات نص المشرع الجزائري على أن هذه الجريمة لا تتخذ إجراءات المتابعة إلا بناء على شكوى الزوج المتروك، واشتراط عنصر الشكوى من أجل مصلحة الزوجة المتروكة بغرض حمايتها من الإهمال ونظرا لخصوصية العلاقة الزوجية.[33]
وقد نص المشرع الجزائري على مسألة غياب الزوج في المادة 53 الفقرة 5 ق ا ج على أنه يجوز للزوجة أن تطلب التطليق للأسباب الآتية: الغيبة بعد مرور سنة دون عذر ولا نفقة حيث أجاز المشرع للزوجة أن تطلب التطليق من زوجها في حالة غيابه غيبة طويلة، تتضرر بها ضررا قد يدفعها إلى الانحراف، حيث يمكنها طلب التطليق إذا توفرت الشروط التالية:
- أن تمضي سنة فأكثر على غيابه، وتحسب المدة من يوم غيابه لا من يوم رفع الدعوى، أو الحكم، وهذا ما بينه قرار المحكمة العليا رقم 290808 على أن احتساب القضاة لمدة الفقدان من تاريخ النطق بالحكم رغم ثبوت ظروف فقدان المفقود دون إجراء تحقيق لمعرفة ذلك هو خطأ في تطبيق القانون[34]
- أن يكون الغياب لغير عذر مقبول، ودون سبب شرعي، أما إذا كان لعذر مقبول كغيبته للعمل لإعالة أسرته أو طلب العلم، أو لأداء الخدمة الوطنية مثلا فلا يجوز لها المطالبة بالتطليق.
- أن لا يترك لها مالا تنفق على نفسها منه، وإلا فلا يجوز لها طلب التطليق بشرط إذا لم تتضرر بغيابه، وإلا جاز لها طلب التطليق حتى وان ترك لها نفقه( بلحاج العربي، الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري[35]
ويجب إصدار حكم مسبق يقضي بفقدان الغائب قبل إصدار الحكم بموته، حيث نص قرار رقم 118621 على أنه “من المقرر قانونا أن الشخص الغائب يعتبر مفقودا بعد صدور حكم قضائي يشهد بذلك، ومن ثم يمكن إصدار حكم بموته بعد انقضاء آجال البحث عنه.
ولما ثبت من قضية الحال أن قضاة الموضوع حكموا بالفقدان والموت في آن واحد، فإن ذلك يجعل من الاجراءات المتبعة باطلة، مما يستوجب إبطال قرارهم المنتقد[36]
ويعتبر عدم الانفاق أيضا من إهمال الزوجة وتعليقها: يعد جريمة ويعاقب عليها القانون، ولكي تثبت الجريمة يجب توافر الشروط التالية:
- العقد الصحيح أي أن يكون الزوج صحيحا شرعا وقانونا ومكتمل الأركان، وإلا فإنه لا نفقة فيه.
- الدخول بالزوجة بمعنى حصول الخلوة الصحيحة بالزوجة، فامتناع الزوجة عن الدخول أو امتناعها عن الانتقال إلى منزل الزوجية يحرمها من النفقة.
- أن لا تكون ناشزة بأن تترك دار الزوجية بلا مسوغ شرعي…
ويبدأ حساب مهلة الشهرين من تاريخ انقضاء مهلة 15 يوما المحددة في التكليف بالوفاء ولا يكون قابلا للتنفيذ إلا بعد تبليغه رسميا وفقا للمادة 406 من قانون الإجراءات المدنية الجزائري.[37]
الخاتمة:
مما سبق نستنتج أن تعليق الزوجة هو منع الزوجة من حقوقها المشروعة، فلا هي زوجة لها كامل الحقوق ولا هي مطلقة حرة تستطيع أن تبحث عن زوج مناسب، وهو نوع من العضل والإضرار، ومن أسبابه نشوز الزوج وغيابه لمدة من دون مبرر شرعي وعدم الإنفاق وعضلها حتى تضطر لطلب الخلع، وهجر الزوج لزوجته في المضجع وفي الكلام من غير سبب وجيه، وقد اتفق العلماء على حرمة التعليق وأجازوا للزوجة بطلب التفريق إن لم يفئ الزوج ويعود لزوجته.
أما المشرع الجزائري فلم يتطرق إلى تعليق الزوجة صراحة وقد أشار إليها ضمنيا في المادة 53 بذكر أسباب طلب التطليق ومنها هجر الزوج لزوجته في المضجع لأكثر من أربعة أشهر و الغياب بدون مبرر، وكذا عدم الإنفاق.
أما في المادة 55 فقد تطرق لنشوز أحد الزوجين إذ يحكم فيه القاضي بالطلاق بعد استنفاذ طرق الصلح وتعويض الطرف المتضرر، ويعتبر نشوز الزوج من أسباب تعليق الزوجة.
ومن التوصيات المقترحة:
- حبذا لو تطرق المشرع الجزائري بصفة صريحة لتعليق الزوجة في قانون الأسرة الجزائري، وتوضيح الحكم الشرعي في تعليق الزوجة من الناحية القانونية.
- التنسيق بين قانون الأسرة وقانو ن العقوبات فيما يتعلق بتعليق الزوجة وتوضيح العقوبات، وتوحيد مدة الغياب التي يستند عليها رفع الشكوى والتظلم، والتفريق إن لزم الأمر.
- من الأفضل لو يتم استنفاذ الطرق الطبيعية للصلح قبل التوجه للقضاء.
- توعية الزوج بخطورة تعليق الزوجة على الزوجة بصفة خاصة وعلى الأسرة بصفة عامة نفسيا واجتماعيا، وتوجيهه إلى الحل الأسلم إما بالصبر عليها والبحث عن مزاياها الأخرى عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يَفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر“، وإن لم يكن هناك بد عليه بالطلاق كآخر حل لمنح تلك الزوجة حريتها.
[1] ابن منظور، لسان العرب، المجلد الرابع، دار المعارف، مصر، د س ن، 34/3075.
[2]أحمد مختار عمر وآخرون، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، مصر، المجلد الثاني، الطبعة الأولى، 1429هـ- 2008م، ص1539.
[3] الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير ج5، المدار التونسية للنشر، تونس، 1984، ص 218.
[4]زوجة مع وقف التنفيذ تتفاقم مشكلتها: الزوجة المعلقة عبء على أهلها ونفسها وأولادها، الرابط ، https://www.alriyadh.com/96784
[5]نورة حسن محمد جبلي، خصائص ومشكلات المرأة المعلقة في المجتمع السعودي، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية للدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة الفيوم العدد الخامس عشر، 2013م، ص 64.
[6] السيد سابق، فقه السنة،المجلد الثاني –نظام الأسرة، الحدود والجنايات- دار الفكر، بيروت لبنان، ط4، 1403هـ-1983م، ص 222.
[7]فقه السنة، المرجع السابق، ص223.
[8] محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة،دار الشروق، د س النشر، ص 184.
[9] د. إبراهيم بن محمد الحقيل، تعليق الزوجات (2) أسبابه وآثاره، شبكة الألوكة، الرابط: https://www.alukah.net/sharia/0/100745
[10] نفس المرجع.
[11]زوجة مع وقف التنفيذ تتفاقم مشكلتها: الزوجة المعلقة عبء على أهلها ونفسها وأولادها، الرابط ، https://www.alriyadh.com/96784
[12]الشعرواي، ص2681.
[13]علي بن عوالي، ضمانات حماية الأسرة بين الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري –دراسة مقارنة- رسالة دكتوراه علوم، في العلوم الإسلامية، جامعة وهران، السنة الجامعية 2017-2018، ص321.
[14]علي بن عوالي، ضمانات حماية الأسرة بين الفقه وقانون الأسرة الجزائري، المرجع السابق، ص335،ابن قدامة المغني (10/263)
[15] السيد سابق، فقه السنة، المرجع السابق، ص263، وانظر ابن قدامة، المغني تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، عبدالفتاح محمد الحلو، ج 10، دار عالم الكتب، الرياض، ط 3، 1417هـ-1997م، ص 262.
[16]محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار المعرفة بيروت، لبنان، ط 4، 2007م. ص 333-334.
[17]محمد متولي الشعراوي، خواطري حول القرآن الكريم، تفسير الشعراوي، أخبار اليوم، مصر، 1991م، المجلد الخامس ص 2682.
[18]الشعراوي، المرجع السابق، ص2684
[19]الشعراوي، المرجع السابق، ص 2687.
[20] ابن عاشور، التحرير والتنوير ج5، ص 218.
[21] أحمد حماني، فتاوى الشيخ أحمد حماني، ج 3، عالم المعرفة، الجزائر، ط 1، 1433هـ-2012م، ص341.
[22]حكم الزوج الذي يترك زوجته معلقة.. الإفتاء تحذره بـ 3 شواهد قرآنية، الرابط: https://www.elbalad.news/4371523
[23] شمس الدين محمد بن محمد الخطيب الشربيني، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق الشيخ محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط 3، 2004م/1425هـ، ص283-284
[24]علي بن عوالي، الأسباب المبيحة للزوجة لطلب التفريق طبقا للمادة 53 من قانون الأسرة الجزائري، دراسة مقارنة، مجلة دراسات وأبحاث المجلة العربية للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد 12، العدد 3 جويلية 2020، عن الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن تحقيق صفوان عدنان داودي ط4، 1430-2009م دار القلم، دمشق، الدار الشامية بيروت لبنان ص 833)
[25]علي بن عوالي الأسباب المبيحة للزوجة لطلب التفريق، ص810، (الموسوعة الفقهية الكويتية 31/321).
[26]ابن قدامة ، المغني المرجع السابق، 10/240-241.
[27]علي بن عوالي، الأسباب المبيحة للزوجة لطلب التفريق طبقا للمادة 53 من قانون الأسرة الجزائري، المرجع السابق، ص810.
[28] المادة 53 من القانون رقم 84-11 المؤرخ في رمضان 140هـ الموافق لـ: 9 يونيو سنة 1984م المتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم بالأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فبراير 2005 جريدة رسمية عدد 15 ص 19.
[29]علي بن عوالي، الأسباب المبيحة للزوجة لطلب التفريق، المرجع السابق، ص809.
[30]محفوظ بن الصغير، الاجتهاد القضائي في الفقه الإسلامي وتطبيقاته في قانون الأسرة الجزائري، رسالة دكتوراه علوم في العلوم الإسلامية، تخصص فقه وأصوله، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة باتنة، 2008-2009م، ص 595.
[31]محفوظ بن الصغير، المرجع السابق، ص 597.
[32]القانون رقم 15-19 المؤرخ في 18 ربيع الأول عام 1437هـ، الموافق 30 ديسمبر 2015، المعدل والمتمم للأمر رقم 66-156 المؤرخ في 18 صفر 1386هـ الموافق 8 يونيو 1966 المتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية عدد 71.
[33]حميدو دملة، جرائم إهمال الزوجة في التشريع الجزائري، مجلة القانون والعلوم السياسية، المجلد 4، العدد 02، جوان 2018، ص 724.
[34]جمالسايسالاجتهادالجزائريفيمادةالأحوالالشخصية.
[35]بنشويخالرشيدشرحقانونالأسرةالجزائريالمعدلص199.
[36]علي بن عوالي، الأسباب المبيحة للزوجة لطلب التفريق، المرجع السابق، ص 811، عن(جمال سايس، الاجتهاد الجزائري في مادة الأحوال الشخصية، قرارات المحكمة العليا.
[37]حميدو دملة، المرجع السابق، ص725.