حصريا

الفردانية وفكرة الاستحقاق – د.فتيحة محمد بوشعالة – الجزائر-

0 633

الفردانية  وفكرة الاستحقاق

بقلم أ.د فتيحة محمد بوشعالة

 

كتبت الأكاديمية والشاعرة المصرية إيمان مرسال:

تنجو النساء حين يتخليّن

 لأنّ البيت الذي لا يحبك ‏لا يستحقك

‏الرجل الذي يؤذيك ‏لا يستحقك

 ‏الثقافة التي لا تحترمك ‏لا تستحقك

 ‏الألم الذي لا يد لك فيه ‏ليس سجنك

 ‏تنجو النساء حين لا تصدأ أقدامهنّ،

 ‏وحين يكون خيارهنّ الدائم: مغادرة الغرفة.

– إيمان مرسال

دفعني هذا الكلام إلى التأمل في فكرة الاستحقاق ومنطلقاتها وتجلياتها، فوجدت أنها وليدة فلسفة الفردانية.

الفردانية  (  (Individualismفكرة فلسفية وليدة الرأسمالية الغربية، حيث أعطت الأولوية للفرد على حساب الجماعة والمجتمع، مما نتج عنه تغول الأنا لدى الإنسان وصار يعتقد أنه يستحق كل شيء (فكرة الاستحقاق)  ولا يتوانى في استخدام شتى الوسائل المتاحة مشروعة أو غير مشروعة لتحقيق رغباته، انطلاقا من المذهب المكيافيلي: الغاية تبرر الوسيلة، فطحن في طريقه كل القيم وكل ما يعارضه في سبيل تحقيق غاياته  حتى بلغ حد الطغيان كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى. (6). أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى. (7). إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) ﱠالعلق: ٦ – ٧

وكان لفكرة الفردانية والاستحقاق شظايا خارج المجتمعات الغربية، حيث أثرت بصورة واضحة على باقي الشعوب بحكم العولمة ومنها الشعوب المسلمة، حيث تسرب شيء منها لفكر وعقل المسلمين من حيث يدرون او لا يدرون، وساعد في نشرها موجة وتيار التنمية البشرية في مجتمعاتنا، وكذا رياح النسوية.

وحاول الكثير من روادها ومتزعميها إعطاءها الصبغة الإسلامية ليسهل تقبلها، فاستهوت كثيرا من شبابنا ؛ وحتى كهولنا، ولاقت سوقا رائجة في عالم النساء لأسباب وعوامل عديدة.

والمشكل الذي تركني أكتب في الموضوع هو تغلغلها حتى في أوساط المتدينين، من حيث لا يشعرون.

فما موقف الوحي من هذه الفكرة، هل لها أصل في الشرع أم هي دخيلة أومناقضة للإسلام؟
فكرة الاستحقاق (أنا أستحق الأحسن والأفضل).

هو ما  تدعو إليه التنمية البشرية وتنادي به وتغرسه في عقول الناس خاصة الشباب، أنك الأفضل وأنك تستحق أن تكون رقم واحد، وأن تضع نفسك  أولا في سلم الأولويات والاستحقاقات، وسبب رواجها أنها  تدغدغ المشاعر الخاصة وتلامس متع الإنسان وملذاته ورغباته الخاصة، وتضرب على وتر الهموم والأحاسيس والضغوط النفسية التي تعاني منها المجتمعات العربية، خاصة عند النساء: أنت تستحقين كل جميل، تستحقين الأفضل، لا تضحي بنفسك من أجل أحد، دللي نفسك، وغيرها من دعوات  الفردانية .

هذه الفكرة  كانت لها تجليات عديدة، وتداعيات خطيرة على الفرد والجماعة عقديا، نفسيا، وسلوكيا.

1/ على المستوى العقدي:  تعارض هذه الفكرة الغربية أسسا عقدية عند المسلم، ومن ذلك أنها تلغي مفهوم العبودية والخضوع لله والامتثال لأمره، كونها تجعل من نفس الإنسان  التي أوجبت لها الاستحقاق  الحق في وجود مقابل للعبودية، حيث يخيل للإنسان المسلم بما أنه يعبد الله ويطيعه فهو يستحق أن تكون حياته سعيدة وهنيئة خالية من الكدر مقابل الطاعة، ويعتقد أن دعواته ينبغي أن تكون مجابة نظير ما قدم من عبادة، استجابة الدعاء وتحقيق الأمنيات ما دمت على استقامةأمر منطقي، وما دمت أصلي لا بد أن أجد السلام الداخلي، وما دمت أقرأ القرآن يجب أن أجد الراحة والسكينة، فكل ما يقدمه ينتظر عليه مقابل، ولذا نجده ينتكس حين يبتلى، لأنه لم يفهم الغاية من الحياة  ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُﱠ الحج: ١١

ويغفل أنه ملك خالقه وعبد له، وأنه لم يخلقه للمتعة بل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات: ٥٦

وللامتحان ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) الملك:٢

 

 

 

فالعبادة عنده بالمقابل، والغاية منها ليست الامتثال وطلب الآخرة بقدر ما هي تحسين دنياه وتوفير الراحة والرفاهية فيها ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﱠ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ)

فصلت: ٥٠ – ٥١

 

بل قد يوجب الإنسان لنفسه الجنة مقابل ما يقدم من طاعة، لأنه يرى أنه يستحق ذلك، وهذا ما يرده الشرع، لأنه معارض لحقيقة العبودية التي هي الخضوع التام لله، فلا يستطيع العبد أن يوجب على سيده أي أمر، فحتى الجنة ليست بالاستحقاق، بل فضل من الله، وهذه عقيدتنا (لن يدخل أحدا عملُه الجنةَ قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ” لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة).

ومسألةالاستحقاق تعود إلى فكرة الإيجاب على الله التي لها جذور وامتداد تاريخي في الفكر الإسلامي، فأول من قال بالفكرة هم المعتزلة الذين أعملوا عقولهم إلى حد تقديمها على الوحي،

وقد رد عليهم علماء الإسلام فكرتهم تلك، بل رد عليهم القرآن أصالة حين قال الحق تبارك وتعالى (فَسَوۡفَ یُغۡنِیكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۤ إِن شَاۤءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ) فكل شيء بمشيئة الله وليس استحقاقا.

والأصل أنه لا أحد يستحق شيئا من الله، بل كل شيء هو فضل منهسبحانه تعالى على العباد

يعطيه من يشاء، ولكنه عدل حكيم.

وعلاج ذلك في الرجوع إلى مرجعية الوحي وقيمه، الذي بيّن ان كل ما بنا من نعم هو من عند الله وحده، فلا منة للإنسان ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾وهذا يورث التوكل والتواضع والافتقار إلى الله والاستعانة ،به بعد اتخاذ الأسباب.

لفردانية هي مركزية الفرد (الإنسان) في حين المركزية المطلقة هي لله وحده ، فهو الفرد الحقيقي المطلق، ومن ثمة فهو وحده الذي يستحق التوحيد والحمد والافتقار اليه والتوكل عليه، أما ما سواه فهو محتاج اليه، معتمد عليه ﴿قل هو الله احد الله الصمد﴾

 

2/ نفسيا:

-تورث الفردانية وفكرة الاستحقاق الطغيان والفساد، كون الناس الذينيرون أنفسهم الأفضل والأقدر والأذكى يعتقدون أنهم  يستحقون التبجيل والاستحقاق والهيمنة على كل شيء،يدفعهم ذلك إلى التعدي على حقوق الآخرين بذريعة الاستحقاق، وتتجلى على مستوى الأفراد بأخذ حقوق الآخرين من إخوة، وأهل وجيران وزملاء، كالاعتداء على نصيبهم في الميراث، في الأراضي في التجارات، في العلاقات إلخ… من أين أتى هذا الاستحقاق؟ من العجب بالنفس وهو يورث الطغيان، الغرور، الاعتماد على القدرات قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ

ﱠالقصص: ٧٨

 

وعلى مستوى الشعوب، نهب ثروات الشعوب وخيراتهم ومنع الخير عنهم, لأن قوى الهيمنة ترى نفسها تستحق الأفضل (مثل فكرة المليون الذهبي) .

وما يحدث في غزة من حرب إبادة هو نتيجة هذه العقيدة، عقيدة الاستحقاق والأفضلية على الغير والكبر العالمي والغطرسة الهمجية لمن يدعي أنه شعب الله والمختار، وقد فند القرآن الكريم زعمهم هذا وفكرتهم الباطلة وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ )المائدة: ١٨

-عدم الشبع من الدنيا،ومن عاش بفكرة الاستحقاق لا يرضى بشيء، لأنه يرى نفسه دوما يستحق الأفضل (ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب).

– فكرة الاستحقاق تورث كثيرا من الأمراض النفسية مثل: الأثرة، الأنانية، غمط حقوق الناس، التكبر، احتقار الغير، المقارنة ومن ثمة الحسد، وكره الناس والحقد عليهم، لأنه يرى نفسه هو من يستحق الأفضل، بمنطق قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ )ﱠالأعراف: ١٢

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًۭا ٦١ قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًۭا) ﱠالإسراء: ٦١ – ٦٢

 

3/ سلوكيا

وتدخل فكرة الاستحقاق حتى مع المقربين مثل العلاقة مع الوالدين، حيث أضحى الابن لسان حاله يقول:أعطيتموني أعطيكم، لم تعطوني لا أعطكم، بحيث يتعامل صاحب هذا الفكر مع والديه بمنطق التاجر، من منطلق الاستحقاق والفردانية ، وهذا مخالف لمرجعية الوحي في تقديس مكانة الوالدين بصرف النظر عن إحسانهم اليك أم لا، وهذا اشار إليه المصطفى في حديث (أن تلد الأمة ربتها) تمن البنت علي أمها أنها ابنتها، لأنها ترى نفسها نعمة لوالديها تستحق كل خير، تستحق الأفضل منهما ،(الفردانية)، ولا ترى في أمها إلا مصدرا لتلبية رغباتها ولذاتها، بصرف النظر عن قيمة تلك الأم في حياتها ، ومدى ما تعانيه لأجل تربيتها.

والأصل أن البر والإحسان ليس من باب منظومة الاستحقاق، بل من منظومة الوحي ومنهجه في التعامل مع الآخرين.﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖوَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾

أما مقولة (عققته قبل أن يعقك) فموجهة للآباء للتنبيه والمراجعة، وليس للأبناء كحق مكتسب.

وقس على ذلك كل العلاقات:  زوج وزوجة، إخوة ، رحم، جار، مسلم ، غير مسلم….

فقد ضبط الوحي تلك العلاقات بما يضمن استمرار العلاقة  دون طغيان طرف على الآخر في إطار المقصد الأكبر وهو العبودية لله تعالى، حتى لا يستغل أي طرف ما له من حقوق من منطلق الاستحقاق .

ومن تلك النصوص وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﱠالحشر: ٩

أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ )ﱠالمائدة: ٥٤

ﱠالحجر: ٨٨ واخفض جناحك للمؤمنين

 

(ليس الواصل بالمكافئ) و(لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.) .

ولعلنا نجد فكرة الاستحقاق تتجلى بصورة مجحفة في العلاقة الزوجية، فهي ترى نفسها نتيجة رياح النسوية والتنمية البشرية أنها تستحق كل خير وكل شيء: أنا استحق ان زوجي يدللني، يفهمني، يحترمتي، يشعر بي، وهو من منطلق الذكورة يرى نفسه  سيدا وهي جارية وأمة، ومن ثمة فلسان حاله يقول: وأنا أستحق أن زوجتي تطيعني، لا تخالفني، تخدمتي، تعطيني مالها،ووو،  والخطير أنها أحيانا تأخذ صبغة شرعية، بمعنى أن الشرع أعطاني هذا الاستحقاق(المفهوم الخاطئ للقوامة)، نعم الشرع أعطاك هذا لتستقيم العلاقة وتستمر الأسرة ، لا لتجعل ذلك وسيلة للتعسف في استعمال السلطة، فتسيء للشرع من حيث لا تدري.

إلى جانب نصوص الحقوق،  وحتى لا تنحرف العلاقة إلى فكرة الاستحقاق شرع الله تعالى الصبر، العفو، التغاضي، الحلم، المسامحة والرفق والرضى، فلما تتغول الانا نغفل عن هذه التشريعات ونطالب فقط بالاستحقاق ،

ومن النصوص المنظمة للعلاقة بينهما  وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

البقرة: ٢٣٧

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

ﱠالتغابن: ١٤

لأن هذه الحياة ليست للمتعة وأخذ كل ما نريد، بل هي للعبادة والامتثال والامتحان.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page