حصريا

رسائل إلى ولدي . أ. سامية مازوزي – الجزائر –

0 359

رسائل

إن الكلمات التي نتركها لأبنائنا لتشبه الميراث بجامع الوصية والهبة والضمان، فنحن نوصي لهم فيها بعطايا من حكم ندعيها أهدتها لنا أخطاؤنا ونهب لهم عبرها خبيئة أفكارنا وتجاربنا ونحاول أن نضمن لهم بين حروفها ما يعينهم على النوائب ويقويهم في مواجهة الحادثات. وحين نشكلها في خطابات مؤجلة فذلك لنبقي حبل الرعية والراعي بيننا وبينهم … لا يقطعه الرحيل ولا يبليه النوى.

بقلم: سامية مازوزي

/////////////////////////////////////////////////

الرسالة 1: الأول

أي بني:

حتما هذه ليست رسالتي الأولى، فالتواصل بيننا قد بدأ مذ صرت بعضا مني، ولكنها عادة رقمية تدفعنا لأن نحصي لكل شيء مبدأ ورتبة، أو عادة تأريخية نصنف بها الفوضى حين تغلبنا إلى بداية ونهاية.

وعلى سيرة الأرقام والترتيب أحببت أن أخبرك أنك الأول ولا اقصد بذلك أنك البكر بين إخوتك، أو أنك أحبهم إلى قلبي فهذا نفاق أبوي لست مضطرة لتحمل تبعاته.

أنت الأول في اهتماماتي ومسؤولياتي، ولا أشك لحظة واحدة في أن أباك يوافقني الرأي في ذلك، فالميثاق الذي بيننا كنتَ طرفا فيه، ونحن متفقان على أننا لا نعيش من أجل أنفسنا، بل لأداء الأمانة التي حُمٌلنا إياها. ولا أتفق في الحقيقة مع فلسفة التنمية البشرية التي تدعي أنني يجب أن أهتم بنفسي أولا كي أتمكن من الاهتمام بغيري، فهي فلسفة أفرغت الأمومة والأنوثة من محتواها الحقيقي، وعلّبتها في مساحيق النسوية وروتيناتها التي لا تعترف برسالة الإنسان المؤمن المستخلف حين تستهلك التضحية فيه العرق والرمق. ولعل كمال آسيا امرأة فرعون ومريم بنت عمران في النساء لم يكن إلا لأنه كان في حياتهما ولد كان الأمانة والرسالة.

أنت الأول في خططي، سواء أقصر مداها أم بعد، بل أنت قضيتي الأولى حين تتزاحم كل القضايا، لأنني أعدك لتحمل قضيتك، وأدس في ثنايا صدرك بوصلة لا تضيع بها وجهتك. فنحن في زمن حالك الفتن، وإني لأرجو ألا يخيب سعيي أو يخور عزمي أو أخزى فيك أبدا، وأن تكون ممن كتب الله لهم سعادة الدارين.

 

أريدك الأول لأن ربك كرمك وعلمك ونعمك وهداك ليستخلفك على أرضه وعلى خلقه، فلا تظلمنّ ولا تجهلنّ على أحد، فقد خلقت في أحسن تقويم، وكل الحسن في ذلك ألا يسوق جوارحك إلا عقلك وقلبك. واحذر هواك فإنه أسوأ متبع ولن يتركك حتى تصير عبدا له ثم يتبرأ منك قبل أن تتبرأ منه.ولا تنتبه إلا وهو يهوي بك إلى الأرض غير مأسوف عليك (وَلَوْشِئْنَالَرَفَعْنَاهُبِهَاوَلَـكِنَّهُأَخْلَدَإِلَىالأَرْضِوَاتَّبَعَهَوَاهُ) الأعراف: 175.

 

أريدك الأول في صفوف الأمة حين ينادي داعيها للانعتاق من ربقة الهوان، فالكرامة مجد لا يحوزه إلا الأوائل، ولا يناله إلا المسارعون، ولا يظفر بالنصر إلا من جد في طلبه وقد قالها المتنبي في بيت لم يشتهر:

لا اِفتِخارٌ إِلّا لِمَن لا يُضامُ

مُدرِكٍ أَو مُحارِبٍ لا يَنامُ

وهو مطلع القصيدة التي جاء فيها بيته الخالد:

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ

ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ.

أريدك مدركا أو محاربا فلا تدع الموات يجفف خلايا روحك فيكسوك الهوان وتدوسك أقدام الدنية، فمنلميركبالأهواللمينلالرغائب. ولتكن صابرا مصابرا ومرابطا فيما يدفع الأمة ويرفعها في زمن أفلست فيه الهمم إلا عند أصحاب القيم، وإذا كان أصحاب القيم في زاوية من الأرض فالزم جانبهم ولا تفارق جماعتهم، فالمرء على دين خليله، والصاحب ساحب. إذ لميعدمهذاالزمنخوارقأبطالهفالخيرباقفيهذهالأمةولعلاللهأنيجعللكفيهسهمالأوائل،ويجعلالمستحيلممكناعلىيديككماجعلهممكنامعترنيمةساروتوقناعقيصروعصاسنواروظلضيفولثامايشبهملامحأبيعبيدة. آهيابنيماأجملالأملالذييبثههؤلاءفينفوساليائسين، التواقين لعودة خالد أو صلاح، وما أسمى أن يسير النصر في ركابك معهم؛ سجيلا أو عصفا أو طوفانا يثأر للنكبات والنكسات، فانظر ماذا ترى …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

You cannot copy content of this page